اقتربت موريتانيا خطوة إضافية من إطلاق الحوار الوطني الذي طال انتظاره، بعد أن اتفقت الأطراف السياسية في الموالاة والمعارضة على تذليل آخر العقبات أمام تشكيل لجنة الإشراف على هذا المسار.وكان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد دعا للحوار الوطني بعد إعادة انتخابه للمنصب في أغسطس (آب) 2024، ومنذ ذلك الوقت يجري التحضير للحوار، ومر بفترات من التوقف بسبب خلافات بين الأحزاب، ولكنه وصل مؤخراً إلى مراحل حاسمة تتعلق بتشكيل لجنة الإشراف عليه.
في نهاية الأسبوع الماضي، عقد منسق الحوار موسى فال اجتماعاً مع مختلف الأطراف السياسية، قال مصدر معارض إن الهدف منه كان «وضع اللمسات الأخيرة على تشكيل لجنة للإشراف على الحوار، وإزالة كل العقبات».
وأضاف المصدر في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الأطراف اتفقت خلال الاجتماع على «زيادة عدد أعضاء لجنة الإشراف من 21 إلى 23 عضواً، على أن يكون لرئيسها نائبان، أحدهما من المعارضة والآخر من الموالاة»، وأكد أن هذه كانت واحدة من أكبر النقاط الخلافية.
وقال: «حُسمت أيضاً نقطة خلافية ثانية تتعلق بآلية اقتراح الشخصيات المستقلة وممثلي المجتمع المدني، البالغ عددهم ستة أعضاء مناصفة بين ثلاثة مستقلين وثلاثة من المجتمع المدني»، مشيراً إلى أنه «طُلب من كل قطب سياسي إرسال أسماء ممثليه في اللجنة بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري».
وأوضح المصدر أن لجنة الإشراف ستتولى بعد تشكيلها مهمة إنشاء ست لجان فرعية أخرى، أربع منها مخصصة لمواضيع الحوار (الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، النموذج الديمقراطي، نموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات)، أما اللجنة الخامسة فهي تنظيمية، والسادسة مكلفة بمتابعة تنفيذ نتائج الحوار.
وختم المصدر بالقول: «تمت إزالة وتجاوز كل العقبات التي كانت مطروحة أمام الحوار».
بالتوازي مع ذلك انتخبت الجمعية العامة لقطب «ائتلاف المعارضة الديمقراطية»، مساء السبت، أخيارهم ولد حمادي رئيساً دورياً جديداً للقطب، في اجتماع ناقش آخر مستجدات الحوار الوطني وجدّد مكتبه التنفيذي.
قد يهمك أيضًا: خبر غير سار لعشاق رونالدو
ويخلف ولد حمادي في هذا المنصب نور الدين ولد محمدو، الذي أعلن حزبه «موريتانيا إلى الأمام» في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي انسحابه من رئاسة القطب ومقاطعة الحوار الوطني المرتقب، احتجاجاً على استمرار توقيف أحد قياداته، وهو ما يعكس هشاشة التوافق داخل صفوف المعارضة نفسها إزاء هذا الملف.
من جهتها، عقدت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية، مساء الجمعة، اجتماعاً بمقر حزب «الإنصاف» الحاكم لاستكمال التحضير لمشاركتها في لجان الحوار وورشاته. وناقش المجتمعون تسمية ممثليهم في لجنة الإشراف، ولكنهم قرروا منح وقت إضافي لحسم هذا التمثيل.
كما استعرضوا معايير اختيار الشخصيات المستقلة وممثلي المجتمع المدني، وكلّفوا لجنة فنية بإعداد مواقف موحدة للأغلبية إزاء مواضيع الحوار المختلفة، بما «ينسجم مع الرؤية الإصلاحية والتنموية» للرئيس ولد الغزواني.
يأتي هذا التقدم بعد أكثر من عام من التحضيرات المتعثرة لحوار وعد به ولد الغزواني عقب إعادة انتخابه عام 2024، إذ تسلّم في يوليو (تموز) الماضي وثيقة مرجعية وخريطة طريق من منسق الحوار ورؤساء الأقطاب السياسية، حددت محاور الحوار المرتقب، وقد دعا حينها إلى تسريع انطلاق الحوار واستكمال مخرجاته قبل نهاية العام الجاري.
غير أن المسار اصطدم، في الأسابيع الأخيرة، بأزمة سياسية متصاعدة حول ما يُعرف بـ«المأمورية الثالثة»، بعدما تصاعدت دعوات علنية من داخل أحزاب الموالاة والسلطات المحلية لتمكين ولد الغزواني من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، رغم أن الدستور يحصر المأمورية الرئاسية في ولايتين فقط.
وحذّرت خمسة أطراف معارضة رئيسية، في بيان مشترك صدر أواخر سبتمبر، من أن الجمع بين التحضير للحوار والترويج لهذه الدعوات يبعث «رسائل سياسية متناقضة»، مطالبة الرئيس بموقف صريح يؤكد التزامه بأحكام الدستور.
كما ربطت المعارضة هذا الملف بما وصفته بتصاعد الملاحقات القضائية بحق شخصيات معارضة، في مقدمتها قضية النائبتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، اللتين أسقط المجلس الدستوري عضويتهما البرلمانية نهائياً في الأيام الماضية.
ورغم هذا التوتر السياسي الموازي، يبدو أن التقدم التقني المحرز في تشكيل لجنة الإشراف يمنح مسار الحوار زخماً جديداً، في وقت يبقى فيه اختبار الثقة الحقيقي معلقاً على ما إذا كانت السلطة ستبدد مخاوف المعارضة بشأن مصير الاستحقاق الرئاسي القادم قبل أن تنطلق الورشات الفعلية للحوار.




