تميزت الدولة السعودية بأنها لم تقم على أنقاض دولة أخرى أو استعمار ترك لها بنى تحتية وهياكل مؤسسية؛ وهو ما جعل تأسيسها قبل ثلاثة قرون إنجازاً فريداً وغير مسبوق في تاريخ الجزيرة العربية، وقائماً في حد ذاته.
وفي حين لم يرث المؤسس الملك عبد العزيز جهاز دولة موحداً ومتكاملاً على امتداد البلاد، فقد استطاع أن يتعامل مع أوضاع وتنظيمات متفاوتة بين الأقاليم، وأن يستفيد مما كان قائماً منها، ثم أعاد إدماجها وتطويرها ضمن مشروع مؤسسي آخذ في الاتساع. وبعد اكتمال ضم الحجاز عام 1925، استطاع وضع قواعد جديدة لبناء مؤسسات الدولة وتنظيماتها الإدارية، ما أسهم في تسريع اندماج الأقاليم وتعميق وحدة البلاد.
وتمر بنا هذه الأيام ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، وتتزامن مع مرور مائة عام على صدور «التعليمات الأساسية» في 31 أغسطس (آب) 1926، تلك الوثيقة التي تُعد «أول وثيقة دستورية محررة في تاريخ الدولة السعودية الحديثة»، وفقاً لوصف الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.
ومما يجعل هذه المناسبة منعطفاً يستحق التأمل أنها تتزامن أيضاً مع إتمام عقد كامل على إطلاق «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» في عام 2016، بكل ما حفل به ذلك العقد من إنجازات غير مسبوقة. هذا الوعي المؤسسي الحاضر في مسيرة الدولة، ما بين عشرينات القرن الماضي وعشرينات هذا القرن، لم ينل ما يستحقه من الدراسة والبحث، وهو ما سنحاول تسليط بعض الضوء عليه في هذا الموضوع.
صدرت «التعليمات الأساسية» في أعقاب مبايعة الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز في يناير (كانون الثاني) 1926، وكانت بمثابة الدستور الأول المؤذن ببداية المرحلة المؤدية إلى توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932.
المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن
وتضمنت الوثيقة، المكوّنة من تسع وسبعين مادة، التأسيس القانوني لنظام الحكم، وتحديد صلاحيات نائب الملك في الحجاز، وهياكل الإدارة، ومجلس الشورى، والشُّعَب الست: الشرعية، والداخلية، والخارجية، والمالية، والمعارف، والجيش. وكانت تلك الشُّعَب الست بذرة ما صار لاحقاً منظومة حكومية متكاملة، تضم اليوم أكثر من عشرين وزارة، وما يزيد على ثلاثمائة مؤسسة وهيئة وجهاز.
ولفهم حجم ما كان يعنيه صدور تلك الوثيقة في سياقها التاريخي، تجدر الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز كلّف لجنة منتخبة ضمت شخصيات وطنية من مختلف التخصصات، من بينهم: عبد القادر الشيبي، ومحمد شرف عدنان، ومحمد المرزوقي أبو حسين، وصالح شطا، ومحمد حسين نصيف، وسليمان قابل، ومحمود شلهوب، وحسين باسلامة، وعلي كتبي، ومحمد سعيد أبو الخير، ومحمد ماجد الكردي، وعبد الله زينل، وحسين عدنان، وعبد الله الدهلوي. كل أولئك أسهموا في صياغة وثيقة كان الهدف منها بناء دولة مؤسسات؛ وهي فكرة تعكس نضجاً سياسياً مبكراً في منطقة كانت تعيش على إيقاع الغزو والسيطرة، لا على إيقاع التأسيس المؤسسي.
غير أن ثمة جانباً أقل حضوراً في المصادر المتداولة، وهو أن «التعليمات الأساسية» كانت خاصة بمملكة الحجاز، وإن امتد أثر مؤسساتها إلى بقية الأقاليم؛ إذ كانت الدولة لا تزال مملكتين: نجد والحجاز، تحت حكم الملك عبد العزيز. وقد أشار فؤاد حمزة إلى أنه، خلال العمل بتلك التعليمات، طرأ على بعض أقسامها تعديلات استلزمتها الأوضاع والمتغيرات.
وظلت تلك التعليمات دستوراً لحين إعلان توحيد المملكتين. وأظهر التاريخ أنها كانت، في حقيقتها، وثيقة تأسيسية مرحلية بوعي، صُممت لمرحلة مخاض لا لنظام ثابت. وهذا يكشف بُعداً جوهرياً في عقلية الملك المؤسس؛ إذ وضع ترتيبات وبنى مؤسسية كان يعرف أنه سيتجاوزها إلى بنية أكبر وأشمل.
نظمت «التعليمات الأساسية» عمل مؤسسات الدولة بين عامي 1926 و1932، تحت القيادة البارعة والمتابعة المضنية للملك عبد العزيز، وجاءت لتؤسس لمرحلة انتقال نحو دولة موحدة. ومثل ذلك، جاءت وثيقة «رؤية 2030» لترسم مسار انتقال من مرحلة إلى أخرى. وعناوين التحول هنا كثيرة، منها التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع، ومن دولة مستهلكة إلى دولة منتجة، وغير ذلك كثير.
خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد الأمير محمد بن سلمان لدى إطلاق مشروعات كبرى في الرياض (واس)
بيد أن المقارنة بين الوثيقتين لا تقتصر على الشكل، بل تمتد إلى المضمون. فكما جمعت «التعليمات الأساسية»، قبل مائة عام، بين بنود تنظيم الجيش والتعليم والقضاء والضرائب والحج في وثيقة واحدة، تجمع «رؤية 2030» بين قطاعات الطاقة والتقنية والثقافة والسياحة والصناعة والتعليم في مسار وطني واحد. والفارق أن وثيقة 1926 أدارت مؤسسات مملكة كانت تصارع العيش في محيط ملتهب، فيما تدير وثيقة 2016 طموح دولة بات اقتصادها الأكبر في المنطقة، وهي عضو في مجموعة العشرين لكبرى اقتصادات العالم، وقائدة للعالمين العربي والإسلامي.
مرت المملكة العربية السعودية، خلال مائة عام، بتحولات كبرى، وشهدت قفزات تنموية ونهضة في جميع المجالات، وكان هاجس المحافظة على الاستقرار والاستمرار في التنمية والبناء حاضراً دائماً، في ظل ظروف إقليمية وعالمية مضطربة وبالغة التعقيد.
نوصي بقراءة: منتخب السعودية للشباب يتوّج ببرونزية آسيا… ويحجز بطاقة مونديال اليد
شكّل الحفاظ على السيادة ووحدة الدولة خطاً أحمر لا تُقبل فيه أي مساومة عبر تاريخ الدولة السعودية، غير أن الحزم في هذا الملف لم يكن مطلقاً، بل اقترن دوماً بحساب دقيق لكلفة المواجهة ومآلاتها.
ويقابل هذا الحزم اعتدال واضح في إدارة الصراعات: تفضيل الدبلوماسية والوساطة على المواجهة المفتوحة، وتجنّب الدخول في حروب غير متكافئة كلما أمكن ذلك. وتعكس هذه السمة قراءة واقعية تُعد إحدى سمات السياسة السعودية.
يفسّر التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في السياسة السعودية قدرتها على الاستمرار المؤسسي عبر ثلاثة قرون، رغم تبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية مرات عدة.
الدراسات التي ترصد استمرارية السياسة الخارجية السعودية تؤكد أن هذه المبادئ راسخة منذ عهد الملك عبد العزيز، وأنها شكّلت خيطاً ناظماً يفسّر التشابه الواضح بين القرارات الكبرى في مراحل تاريخية متباعدة زمنياً.
اللافت في مسيرة الأعوام الأخيرة أن الدولة السعودية قلبت معادلة تقليدية كانت سائدة في فهم دورها الدولي؛ فقد برز تحوّل تدريجي في أسلوب إدارة الملفات الإقليمية نحو ما وُصف إعلامياً وبحثياً بسياسة «تصفير الأزمات» أو «صفر مشاكل»، بالتوازي مع أجندة «رؤية 2030» التي تربط الاستقرار الإقليمي بمتطلبات التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار. كما برز انخراط أكبر في الملفات الدولية، وبناء محكم للتحالفات والشراكات الاستراتيجية الدولية.
وتبقى السمة الجوهرية لهذا التحول أنه طال الأدوات والأسلوب، لا الثوابت ذاتها؛ فالقدرة على التكيف من دون المساس بالمرتكزات تظل السمة الأبرز لاستمرارية هذه السياسة.
التعليمات الأساسية في جريدة «أم القرى» الرسمية
الخطاب السياسي السعودي يؤكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي المبادئ ذاتها التي كان الملك عبد العزيز يكافح من أجل ترسيخها في مواجهة البريطانيين، منذ مباحثات العقير عام 1922 ومعاهدة جدة عام 1927.
والسؤال الذي يستحق الطرح هنا: لماذا لا تحظى هذه الثوابت والتحولات باهتمام مؤسسي وأكاديمي يعكس حجمها الفعلي؟
في عام 1926، استطاع الملك عبد العزيز صياغة الوثيقة الدستورية الأولى لدولة لم تكن تملك من الموارد ما يكفيها، ولم يتوافر لها من وسائل الحياة الحديثة ما يستحق الذكر. وفي عام 2026، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في نمو منظومة الابتكار وريادة الأعمال، وفق تقرير «StartupBlink» لعام 2025. الدولة التي كافحت قبل مائة عام لتكتب وثيقتها الدستورية الأولى في ظل شح الموارد، باتت اليوم تُستدعى نماذجها في تحويل الاقتصادات وإدارة الملفات السياسية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي لا تحظى بما يكفي من الانتباه: ففي ديسمبر (كانون الأول) 1922، حضر الملك عبد العزيز مؤتمر العقير مفاوضاً مع البريطانيين بشأن حدود دولته، وبعد نحو مائة عام، ظفرت المملكة العربية السعودية بحق استضافة «إكسبو 2030» بأعلى نسبة تصويت في تاريخ هذه الفعالية، وبحق استضافة كأس العالم 2034 من دون منافس. وباتت الدولة التي كانت تتفاوض مع القوى العظمى لرسم حدودها تُمنح من دول العالم حق استضافة اثنين من أبرز الأحداث العالمية.
لقد كانت «التعليمات الأساسية» وثيقة مرحلية بوعي، كما أسلفنا، بُنيت لتُتجاوز. و«رؤية 2030»، وإن اختلفت عنها في طبيعتها ووظيفتها، صُممت هي الأخرى بوصفها وثيقة مرحلية بوعي؛ فهي مرحلة انتقالية وُضعت لا للتوقف عندها، بل لتجاوزها إلى ما هو أبعد. وهذا هو جوهر الاستمرارية في الدولة السعودية عبر مائة عام: أن كل وثيقة أو رؤية لم تكن غاية في ذاتها، بل خطوة مرحلية تضع السياق لما بعدها، وتُعلي، في الوقت ذاته، من سقف ما بعدها؛ لأن الطموح خصيصة ملازمة للسعودية، قيادة وشعباً؛ بدأت منذ ثلاثة قرون بطموح لَمّ الشتات، وتتواصل اليوم بتوالي الإنجازات وتجاوز المستهدفات.
وأرى أنه من المهم هنا إيضاح أن وثيقة تعليمات 1926 أدارت انتقالاً مؤسسياً، بينما تدير وثيقة «رؤية 2030» تحولاً مؤسسياً؛ فـ«التعليمات الأساسية» وثيقة تنظيمية قانونية للحكم والإدارة، و«رؤية 2030» إطار استراتيجي وطني. والمقارنة هنا لا تقوم على وحدة الطبيعة القانونية للوثيقتين، إذ إن لكل منهما سياقاً ووظيفة، وإنما على فكرة إدارة الانتقال المؤسسي ووضع إطار جامع للتحول.
وختاماً؛ فإن هذه الصفحات المتجددة في قراءة تاريخ المملكة العربية السعودية، التي تكشفها المنجزات الوطنية المتوالية، هي مما يستحق أن يُبرز ويُلقى عليه الضوء ويُبذل فيه الجهد، لا من الباحثين والمؤرخين فحسب، بل من مراكز السياسة العامة والجامعات والمؤسسات التي ما زالت تتعامل مع الراهن باعتباره تحصيل حاصل، لا مبحثاً مهماً للدراسة والتوثيق.




