لم تكن الخسارة المدوية لفريق النصر السعودي، في مستهل مشواره بـ«دوري النخبة الآسيوي»، برباعية أمام العين الإماراتي، مجرد هزيمة عابرة في مباراة كرة قدم، بل تحولت شرارةً فجّرت غضباً عارماً وغير مسبوق، وسط مطالبات جماهيرية واسعة بتغييرات جذرية تعيد هيكلة الفريق الأصفر.
وفاجأ المدير الفني الأسترالي، آنج بوستيكوغلو، النقاد والجماهير بالدخول بتشكيل تكتيكي جديد يعتمد على 5 مدافعين.
وأراد المدرب تأمين العمق الدفاعي والحد من خطورة الأطراف الإماراتية، إلا إن هذه الاستراتيجية جاءت بنتائج عكسية تماماً على أرض الواقع. هذا النهج الانكماشي تسبب في إلغاء الهوية الهجومية المعروفة للنصر، وخلق حالة واضحة من الارتجال والتباعد الإجباري بين الخطوط. بدا الفريق تائهاً في التحولات، وعاجزاً عن بناء اللعب، ومستسلماً بصفة غريبة أمام التنظيم العالي والمد الهجومي الشرس لأصحاب الأرض؛ مما سهل مأمورية تفكيك الترسانة النصراوية.
وشهدت المباراة ما يمكن وصفه بـ«مهرجان» الأخطاء الدفاعية الفادحة وسوء التمركز، الذي استغله هجوم العين بذكاء.
كانت بداية السقوط عندما ارتكب المدافع سعد الناصر خطأً فادحاً في إعادة الكرة للحارس، استغله حسين رحيمي ليخطفها ويسكنها الشباك محرزاً الهدف الأول. توالت بعدها الكوارث الفنية بانهيار المنظومة كلياً في الشوط الثاني؛ حيث تركت مساحات شاسعة وعميقة في الخط الخلفي؛ مما سمح للشقيقين حسين وسفيان رحيمي، ومعهما المهاجم اليوناني جيورجوس جياكوماكيس، بضرب مصيدة التسلل والانفراد بالمرمى بسهولة تامة وسط غياب غريب للتغطية العكسية. وفي الوقت الذي انتظر فيه عشاق النصر ظهوراً قارياً قوياً يليق بالنسخة الجديدة من «دوري أبطال آسيا للنخبة»، ويمحو خيبات المواسم السابقة، جاء التدشين باهتاً ومخيباً لكل سقف التوقعات.
الهزيمة برباعية دون رد في الجولة الأولى لم تكن مجرد تعثر مبكر، بل وضعت النصر تحت ضغط حاد منذ المباراة الأولى. وكشفت المواجهة عن أن الفريق يفتقد حالياً الشخصية القارية القوية والثقة التنظيمية اللازمة لمجاراة أندية النخبة في القارة الآسيوية؛ مما يفرض مراجعة فورية لكل الحسابات.
رونالدو أخفق في قيادة فريقه لتسجيل بداية قوية في دوري النخبة الآسيوي (أ.ف.ب)
نوصي بقراءة: الدرعية يخسر وديته الثالثة أمام الريان القطري
عاش الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو ليلة معزولة تماماً في الخط الأمامي؛ وبسبب العقم التكتيكي الواضح وغياب التمويل الحقيقي من خط المنتصف، وجد «الدون» نفسه وحيداً دون حيلة، عاجزاً، على غير العادة، عن تشكيل خطورة على مرمى حارس العين، باستثناء محاولات اجتهادية وركلة حرة متأخرة تصدى لها الدفاع.
هذا العزل الفني فتح الباب سريعاً أمام تساؤلات الإعلام الحادة في المؤتمر الصحافي عن مستواه وتراجعه اللياقي. إلا إن المدير الفني للنصر، آنج بوستيكوغلو، رفض بشكل قاطع تقديم قائد الفريق «كبشَ فداء» للهزيمة الآسيوية. وفي تصريحات صريحة ومفاجئة، وجّه المدرب بوصلة اللوم بالكامل نحو نفسه قائلاً: «كريستيانو رونالدو لاعب عظيم، والمسؤولية هي مسؤوليتي أنا فقط». وتابع الأسترالي دفاعه المستميت لمنع تحطيم معنويات الدون من قِبل الجماهير الغاضبة: «لا يمكن تحميل رونالدو بعض الأمور الفنية، فهو جزء من منظومة، والنصر بشكل كامل كان سيئاً الليلة».
وبهذا الحديث برّأ بوستيكوغلو نجومه والأسطورة البرتغالي من وزر النتيجة القاسية، معلناً تحمّله الفردي الخطأ، ومؤكداً أن المنظومة الجماعية العقيم التي وضعها هي التي خذلت الهجوم وشلت حركته.
لم تكن المأساة الآسيوية وليدة ليلتها، بل جاءت امتداداً طبيعياً وفورياً لحالة التذبذب الواضحة التي يعيشها النصر محلياً في بطولة الدوري السعودي. وكان التعثرُ الأخير للفريق محلياً بالتعادل المخيب أمام نادي الخليج (1 – 1) جرسَ إنذار مبكراً ومؤشراً حقيقياً على وجود خلل فني عميق. هذا التراجع الذهني والتكتيكي الذي ظهر بوضوح في الدوري عجز الجهاز الفني عن معالجته أو إيجاد حلول له، لينعكس بظلاله القاتمة فور الدخول في المعترك القاري الأشد شراسة وضغطاً.
فور إطلاق صافرة نهاية اللقاء، تحول الحساب الرسمي لنادي النصر على منصة «إكس» ساحةً للغليان الجماهيري والمحاكمة الشعبية. وفي غضون ساعات قليلة جداً، انفجر طوفان التعليقات ليتجاوز حاجز 8 آلاف رد غاضب من مشجعين يعيشون الصدمة.
وصبّ المدرج النصراوي الأصفر جام غضبه على الإدارة واللجنة الفنية لعدم إبرام صفقات نوعية كافية قادرة على سد الثغرات التاريخية الواضحة في المراكز الحيوية، وتحديداً في خط الدفاع وحراسة المرمى. وعدّت الجماهير أن التقاعس في سوق الانتقالات، إلى جانب القيود المفروضة على صفقات النادي، هما السببان الرئيسيان خلف العجز الفني الفاضح.
وبينما تسلحت الفرق المنافسة بأسماء عالمية ثقيلة، ظهر النصر مكشوفاً ودون دكة بدلاء تصنع الفارق؛ مما جعل الجماهير تطالب بالتكتل الشرفي الجديد حلاً وحيداً لشراء النادي وتحريره استثمارياً لبناء فريق يليق بالمستقبل.




