الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةالمرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

​وفق «تقرير إنترنت السعودية» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغت نسبة تبني أدوات الذكاء الاصطناعي بين مستخدمي الإنترنت في السعودية، 45.2 في المائة خلال 2025 مقابل 21.5 في المائة في 2024. وفي قطاع الأعمال، أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن 33.1 في المائة من المنشآت في المملكة استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال 2025، بنمو سنوي بلغ 20 في المائة.

لكن، هل يعني اتساع التبني أن المؤسسات تجاوزت أصعب مراحل التطبيق؟

فمع انتقال مشاريع الذكاء الاصطناعي من تجارب محدودة إلى التشغيل على نطاق المؤسسة، تظهر مشكلة مختلفة عن اختيار النموذج أو توفير القدرة الحاسوبية. إنها عبارة عن معلومات موزعة بين أنظمة الأعمال والأنظمة القديمة والبيئات السحابية والأرشيفات ومستودعات الإدارات المختلفة، ما يطرح تحديات تتعلق بالجودة والملكية والصلاحيات والحوكمة والتكامل.

ويصف جورج شمبري، نائب رئيس شركة «أوبن تكست» ورئيس الشركة لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا، تجزؤ المعلومات بأنه أكثر العقبات شيوعاً أمام انتقال مشاريع الذكاء الاصطناعي في السعودية من التجربة إلى الإنتاج. ويوضح خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش معرض «ليب 2026» في الرياض، أن المؤسسات لا تفتقر عادة إلى البيانات، بل تواجه صعوبة في جمعها بطريقة تجعلها موثوقة ومحكومة وقابلة للاستخدام من أنظمة الذكاء الاصطناعي.

جورج شمبري نائب رئيس شركة «أوبن تكست» ورئيس الشركة لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا (الشركة)

يرى هارالد آدامز، رئيس شركة «أوبن تكست» لمنطقة اليابان وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن طبيعة الحوار حول الذكاء الاصطناعي في السعودية تغيرت خلال العامين الماضيين؛ فبدلاً من الأسئلة المرتبطة بما إذا كانت النماذج قادرة على تلخيص المستندات أو توليد المحتوى، أصبحت المؤسسات تركز على كيفية نشر الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة، وحوكمته، وربطه بالعمليات الأساسية.

ويعتبر آدامز أن هذا التحول يعكس انتقالاً من مرحلة التجربة إلى أسئلة أكثر ارتباطاً بالتشغيل المؤسسي، خصوصاً مع محاولة الجهات السعودية الاستفادة من الاستثمارات التي جرت في البنية التحتية والسحابة والمهارات، وتحويلها إلى نتائج يمكن قياسها على مستوى الأداء والخدمات.

بحسب «أوبن تكست»، لم يعد الوصول إلى نماذج قوية العقبة الأساسية أمام كثير من المؤسسات؛ فالمشكلة تنتقل بصورة متزايدة إلى جودة المعلومات التي ستعتمد عليها هذه النماذج، وقدرة المؤسسة على معرفة مصدرها وملكيتها ومدى دقتها ومن يملك حق الوصول إليها.

ويشير آدامز إلى أن المؤسسات غالباً ما تمتلك سنوات طويلة من البيانات والمستندات والعقود وسجلات العملاء والمراسلات والأرشيفات، لكنها موزعة عبر أنظمة ومنصات مختلفة، وقد يكون بعض هذه المعلومات ناقصاً أو مكرراً أو منفصلاً عن سياقه الأصلي.

وفي هذا السياق، تصبح قيمة سجل العميل في نظام لتخطيط موارد المؤسسة أكبر عندما يمكن ربطه بالعقود والمراسلات وسجل الدعم والسياسات والوثائق التشغيلية؛ فكلما اتسع السياق المتاح للنظام، أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على دعم القرار، بدلاً من الاكتفاء باسترجاع معلومة منفصلة أو إنتاج إجابة عامة.

ويختصر آدامز الفكرة بالقول إن النموذج قد يكون «المحرك»، لكن المعلومات الموثوقة هي «الوقود»، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي يحدد ما هو ممكن تقنياً، بينما تحدد الحوكمة ما هو مسموح به داخل المؤسسة.

هارالد آدامز رئيس شركة «أوبن تكست» لمنطقة اليابان وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا (الشركة)

تزداد هذه المسألة أهمية مع توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ إجراءات داخل الأنظمة، لا مجرد تحليل المعلومات أو تقديم توصيات.

ويفيد آدامز بأن المؤسسات تحتاج، قبل منح الوكلاء وصولاً إلى عمليات حساسة، إلى 3 عناصر أساسية؛ هي معلومات موثوقة، وحوكمة قوية، ومسؤولية واضحة؛ فالنظام الذي يعمل فوق معلومات ناقصة أو غير دقيقة قد لا يكتفي بإنتاج إجابة خاطئة، بل قد يوسع الخطأ تلقائياً عبر سلسلة من الإجراءات. ولهذا، تحتاج المؤسسات إلى تحديد ما الذي يسمح للوكيل بفعله، وما نوع المعلومات التي يمكنه الوصول إليها، وأين يجب أن يبقى الإشراف البشري، إلى جانب القدرة على تتبع القرارات والإجراءات وتدقيقها لاحقاً.

نوصي بقراءة: السعوديون يعزِّزون السياحة الداخلية… الحجوزات ترتفع 13 %

تعتبر «أوبن تكست» أن أكثر الاستخدامات نضجاً اليوم تظهر في البيئات التي تتعامل مع كميات كبيرة من المعلومات وسير عمل متكرر؛ مثل خدمة العملاء، وإدارة المعرفة، والوظائف التي تعتمد على المستندات.

وفي هذه المجالات يمكن قياس أثر الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر وضوحاً عبر اختصار الوقت اللازم للوصول إلى المعلومات، وتقليل العمل اليدوي، وأتمتة بعض المهام الروتينية، وتسريع اتخاذ القرار وتحسين الخدمة. أما القرارات الاستراتيجية المعقدة التي تعتمد على الحكم البشري والسياق التنظيمي والاعتبارات طويلة المدى، فلا تزال، وفق آدامز، أقل نضجاً وأكثر حاجة إلى الخبرة البشرية والمساءلة.

افتتحت «أوبن تكست» مقرها الإقليمي للشرق الأوسط في الرياض هذا العام. ويقول شمبري إن الشركة توسع من خلاله قدراتها المحلية في القيادة والخبرات التقنية والاستشارات ودعم العملاء، إلى جانب تعزيز منظومة الشركاء.

وتشمل الأولويات التي تركز عليها الشركة من الرياض؛ حوكمة الذكاء الاصطناعي، والسيادة على البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة المعلومات، مع تركيز أكبر على العمل المباشر مع المؤسسات السعودية والجهات الحكومية والشركاء المحليين. ويرى شمبري أن القرب من السوق يكتسب أهمية كبرى عندما تنتقل مشاريع الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى التشغيل الفعلي، لأن المؤسسات عندها تحتاج إلى خبرة تقنية مرتبطة أيضاً بفهم البيئة التنظيمية ومتطلبات الأعمال المحلية.

أصبح تنظيم المعلومات وربطها وحوكمتها عاملاً أساسياً في قدرة المؤسسات على توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة موثوقة (أدوبي)

في السعودية، أصبحت متطلبات السيادة على البيانات والامتثال التنظيمي تؤثر في تصميم مشاريع الذكاء الاصطناعي منذ البداية، بدلاً من إضافتها في مرحلة لاحقة؛ فالمؤسسات التي تتعامل مع بيانات المواطنين والعملاء والمعلومات الصحية والمالية والحكومية تحتاج إلى معرفة مكان وجود البيانات، وكيفية استخدامها، ومن يملك الوصول إليها، وما إذا كانت العمليات قابلة للتتبع والتدقيق.

ويصرح شمبري بأن هذه المتطلبات تؤثر في اختيار البنية التقنية ونموذج النشر وأطر الحوكمة وضوابط الأمن. ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي السيادي» لا يتعلق فقط بمكان وجود البنية التحتية، بل بقدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالسيطرة على معلوماتها مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

ترصد «أوبن تكست» اتجاهاً متزايداً لدى مؤسسات سعودية نحو نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة، خصوصاً في القطاعات المنظمة والبيئات المرتبطة بالحكومة. ويشرح شمبري أن المؤسسات لا تتعامل مع جميع أنواع البيانات بالطريقة نفسها؛ فبعض أحمال العمل قد يكون مناسباً للسحابة العامة، بينما تحتاج معلومات أخرى إلى ضوابط أكثر تشدداً لأسباب تتعلق بالخصوصية أو الأمن أو السيادة أو المتطلبات التنظيمية. ولهذا، تتجه المؤسسات بصورة متزايدة إلى بنى تسمح باختيار البيئة الأنسب لكل نوع من المعلومات، بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد لجميع الأحمال.

بحسب الشركة، تظهر أسرع معدلات التبني في قطاعات الحكومة والخدمات المالية والطاقة والرعاية الصحية؛ فالجهات الحكومية تركز على تبسيط الإجراءات وتحسين تقديم الخدمات، بينما تبحث المؤسسات المالية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة العملاء وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية. وفي القطاع الصحي، تتركز الاستخدامات على دعم سير العمل السريري والإداري وإتاحة المعلومات، بينما تهتم شركات الطاقة بالتحسين والأتمتة والمرونة التشغيلية. والقاسم المشترك بين هذه القطاعات، وفق شمبري، أنها تنتج كميات كبيرة من المعلومات، وتعمل في بيئات تتطلب مستويات مرتفعة من الثقة والأمن والمساءلة.

يتجه قياس عائد الذكاء الاصطناعي إلى مؤشرات عملية مثل الإنتاجية وجودة القرار والمرونة وتقليل المخاطر بدلاً من عدد المشاريع وحده (أدوبي)

على الرغم من حجم الاستثمارات الجارية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ترى «أوبن تكست» أن القيمة الاقتصادية قد تبقى محدودة إذا استمرت المعلومات داخل المؤسسات مجزأة أو مكررة أو ضعيفة الحوكمة. ويذكر شمبري أن البنية التحتية توفر القدرة الحاسوبية وقابلية التوسع، لكنها لا تخلق القيمة بمفردها؛ فالمؤسسة قد تمتلك نماذج متقدمة وقدرة حاسوبية كبيرة، لكن إذا كانت معلوماتها غير مترابطة أو صعبة الوصول أو لا تخضع لسياسات واضحة، فسيظل من الصعب تحقيق نتائج موثوقة وقابلة للتوسع.

ولهذا يضع ضمن الأولويات تحسين جودة المعلومات، وربطها عبر الأنظمة، ووضع أطر حوكمة واضحة، وتعزيز ضوابط الأمن، وضمان إمكانية الوصول إليها بطريقة موثوقة ومتوافقة مع المتطلبات التنظيمية.

يشير آدامز إلى أن نجاح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030 لن يُقاس بعدد المشروعات أو حجم الإنفاق وحده؛ بل بمجموعة من النتائج تشمل ارتفاع الإنتاجية، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين تجربة العملاء والمواطنين، وتعزيز المرونة والامتثال، وتقليل المخاطر التشغيلية، وخلق مصادر جديدة للإيرادات والابتكار.

وبحسب الشركة، يُصنف نحو 40 في المائة من المؤسسات في المملكة ضمن ما تصفه بـ«قادة الذكاء الاصطناعي»، فيما يُتوقع أن يتجاوز حجم سوق الذكاء الاصطناعي السعودية 4.37 مليار دولار بحلول 2034، وهذه تقديرات أوردتها الشركة ضمن رؤيتها للسوق.

لكن المعيار الأكثر أهمية، وفق رؤية الشركة، سيظل أقل ارتباطاً بعدد الأدوات المستخدمة وأكثر ارتباطاً بمدى اندماج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية واتخاذ القرار وتقديم الخدمات. وعندها، لن يكون التحدي في امتلاك مزيد من النماذج؛ بل في ضمان أن المعلومات التي تعتمد عليها هذه النماذج موثوقة ومترابطة ومحكومة بالقدر الكافي لتحويل الاستثمار التقني إلى قيمة فعلية.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات