لم يحتج دافيدي أنشيلوتي إلى وقت طويل حتى يترك بصمته الأولى على ليل، لكن اللافت أن بصمته لم تظهر في تغيير جذري لشكل الفريق بقدر ما ظهرت في التفاصيل؛ في توقيت الضغط، وفي طريقة التعامل مع فترات المباراة المختلفة، وفي المرونة أمام ما يفرضه الخصم.
بعد أربع جولات من الدوري الفرنسي، يتصدر ليل المسابقة برصيد 10 نقاط، بعدما حقق ثلاثة انتصارات وتعادلًا، مع الحفاظ على نظافة شباكه في المباريات الثلاث التي انتصر فيها.
البداية جاءت بانتصار 2-0 على أنجيه، ثم تعادل مثير 2-2 أمام باريس سان جيرمان بعد تقدم ليل حتى الدقيقة 90، قبل الفوز 1-0 على تولوز و2-0 أمام تروا.
الأرقام وحدها تمنح أنشيلوتي بداية مثالية تقريبًا، لكن التفاصيل تقول إن القصة أكثر إثارة؛ لأن ليل لا يلعب بالطريقة نفسها في كل مباراة، ولا يبدو أن مدربه الجديد يريد أن يفرض عليه طريقة واحدة.
عندما وصل أنشيلوتي إلى ليل، لم يكن أمام فريق يحتاج إلى ثورة. ليل أنهى الموسم الماضي في المركز الثالث وتأهل مباشرة إلى دوري أبطال أوروبا، ولذلك كان التحدي الحقيقي أمام المدرب الإيطالي هو الحفاظ على نقاط القوة، ثم إضافة أفكاره الخاصة.
وهذا ما حدث بالفعل، من خلال اعتماد المدرب الإيطالي منذ البداية على طريقة 4-2-3-1 التي كانت مستخدمة مع برونو جينيزيو، وهو ما أكدته تحليلات صحيفة “ليكيب” الفرنسية، قبل انطلاق دوري الأبطال، التي وصفت ليل بأنه فريق صلب ومنظم، مع عدة خيارات هجومية على الأطراف.
لكن التشابه في الرسم لا يعني التطابق في السلوك. مع أنشيلوتي، أصبح الضغط العالي جزءًا واضحًا من هوية الفريق. في المباراة الأولى أمام أنجيه، لم ينتظر ليل المنافس، وإنما بدأ بالضغط في نصف ملعبه، واستعاد الكرة في مناطق متقدمة أكثر من مرة، وكان نبيل بن طالب أحد أبرز مفاتيح تلك المرحلة.
جاء الهدف الأول بعد تدخل مباشر من لاعب الوسط الجزائري في بناء الهجمة، ثم صنع تمريرة طويلة أسهمت في الهدف الثاني.
لكن الأهم أن أنشيلوتي لا يتعامل مع الضغط كواجب مستمر مهما كانت الظروف، بل يريد من فريقه أن يعرف متى يضغط ومتى يتراجع، ومتى يحتفظ بالكرة ومتى يهاجم المساحة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر العبارات دلالة التي قالها بعد الفوز على أنجيه، عندما أشاد بقدرة لاعبيه على قراءة مواقف اللعب، والتمييز بين اللحظات التي يمكن فيها الضغط على الخصم وتلك التي يجب فيها التراجع واستعادة الكرة ككتلة واحدة. وهذه ليست مجرد جملة للاستهلاك الإعلامي؛ مباريات ليل الأولى تؤكدها.
إذا كانت مباراة أنجيه قدمت النسخة المنظمة من ليل، فإن مواجهة باريس سان جيرمان قدمت النسخة الأكثر جرأة، والاختبار الأقوى للمدرب الإيطالي الشاب.
في أول مباراة لدافيدي على ملعب ليل، كان والده كارلو حاضرًا في المدرجات، لكن الابن لم يتعامل مع باريس باعتباره فريقًا يجب الاحتماء أمامه.
ليل تقدم 1-0 ثم 2-0، وكان قريبًا من تحقيق انتصار تاريخي قبل أن يسجل باريس هدفين في الدقيقتين 90 و90+4، لتنتهي المباراة 2-2.
أنشيلوتي لا يريد فريقًا يملك شكلًا ثابتًا فقط، وإنما فريقًا يستطيع تغيير سلوكه وفقًا للمباراة، وهو ما أكده في تصريحات سابقة عندما كان مدربًا لـ بوتافوجو، لكنه لم ينجح في تطبيق أفكاره هناك.
أمام باريس، استطاع ليل أن يضغط عندما كانت الظروف تسمح، ثم يستغل المساحات عندما تقدم المنافس، ويحول المباراة إلى صراع في التحولات بدل الدخول في معركة استحواذ مفتوحة مع فريق لويس إنريكي.
المباراة التالية كانت أكثر أهمية من الناحية التكتيكية؛ لأنها أظهرت الوجه الآخر لأنشيلوتي. تولوز ضغط بقوة منذ البداية، ونجح في خنق ليل ومنعه من الخروج بالكرة بسهول، وعانى الفريق في بناء اللعب تحت الضغط.
هنا لم يتمسك أنشيلوتي بالخطة لمجرد إثبات صحة أفكاره، وبين الشوطين، غيّر الجناح الأيسر بالكامل، ثم دفع بتغييرات أخرى، قبل أن يدخل أياسي أويدا ويسجل هدف الفوز بعد ربع ساعة فقط من ظهوره الأول.
اقرأ ايضا: حالة واحدة تدفع مانشستر سيتي للموافقة على بيع رودري لريال مدريد
والتفصيلة الأهم أن الهدف نفسه جاء من حركة شارك فيها ثلاثة لاعبين دخلوا كبدلاء، ليظهر أنشيلوتي مدرب يقرأ المباراة أثناء حدوثها، وغير متمسك بأفكاره إذا لم تكن مناسبة.
وربما تكمن إحدى أهم نقاط قوة دافيدي، أنه بعد اللقاء اعترف بأن النتائج الجيدة لم تجعله مقتنعًا بأن الفريق وصل إلى نسخته النهائية، وانتقد الأداء.
وسط كل هذه التغييرات، يظهر نبيل بن طالب كواحد من أكثر اللاعبين أهمية في شكل ليل الجديد. الجزائري ليس مجرد لاعب وسط يمرر الكرة، بل أصبح نقطة اتصال بين الخطوط.
أمام أنجيه، كان حاضرًا في استعادة الكرة والتمرير إلى الأمام وصناعة الفرص، وصنع هدف جيرو بتمريرة داخل العمق، ثم لعب كرة طويلة فتحت الطريق لهجمة الهدف الثاني.
وجود بن طالب إلى جانب بنجامان أندريه يمنح أنشيلوتي قاعدة وسط قادرة على فعل أكثر من شيء؛ الخروج بالكرة، حماية الدفاع، ثم التحول بسرعة عندما تظهر المساحة.
وهذا مهم لأن فلسفة دافيدي، وفق ما شرحه منذ وصوله إلى ليل، لا تقوم على الاستحواذ من أجل الاستحواذ، وإنما على امتلاك حلول للخروج من ضغط المنافس واستغلال المساحات عندما تتاح، وبن طالب أعاد اكتشاف نفسه في هذه الخطة.
الأمر نفسه ينطبق على مبابي، الذي يتحرك بسهولة في وسط الملعب، ويعطي أنشيلوتي مرونة كبيرة في الوسط، سواء كلاعب “قُطري” يميل على الجناح، أو عمودي ومباشر، بالإضافة لمشاركته كجناح أيضًا.
وجود أوليفييه جيرو يمنح دافيدي قطعة تكتيكية مختلفة. المهاجم الفرنسي، الذي كان أحد أبرز لاعبي ليل في بداية الموسم، لا يتحرك فقط داخل منطقة الجزاء. ضد باريس، كان قادرًا على صناعة الفارق خارجها، وصنع هدفي فريقه.
جيرو يمنح أنشيلوتي خيارًا مهمًا في مواجهة الضغط: كرة مباشرة يمكن أن تتحول إلى هجمة، لاعب قادر على تثبيت قلبَي الدفاع، ومهاجم يستطيع لعب الكرة بلمسة أو اثنتين لزملائه القادمين من الخلف، يكون الهدف دائمًا الوصول له، وفي نفس الوقت هو الهداف الذي يستطيع أن يلدغ خصومه من أقل فرصة.
لذلك لا يبدو أن وجود جيرو في منظومة أنشيلوتي مرتبط فقط بعدد الأهداف التي يسجلها، قيمته الأكبر هي أنه يسمح للاعبين خلفه بالتحرك.
وهذا يوضح في المقابل حجم العمل الذي قام به أنشيلوتي بالاعتماد على العناصر المتاحة له بالفعل.
هنا تأتي المقارنة التي تجعل تجربة دافيدي أكثر إثارة، فمن السهل اختصار القصة في لقب “أنشيلوتي الصغير”، لكن ذلك يتجاهل أن دافيدي قضى سنوات طويلة داخل واحدة من أعظم المدارس التدريبية في كرة القدم الحديثة.
كان مساعدًا لوالده في بايرن ميونيخ ونابولي وإيفرتون وريال مدريد والمنتخب البرازيلي، وبالتالي لم يرث الاسم فقط؛ بل عاش يوميًا داخل غرف التحليل والاجتماعات الفنية وأرض الملعب.
وفي موسم الخامسة عشر لـ ريال مدريد، اعترف كارلو أنشيلوتي أن دافيدي كان له تأثير مباشر، كما ظهر ذلك في تصريحات لاعبي النادي الملكي، وأبرزهم لوكا مودريتش، الذي أشاد بعمل نجل كارليتو.
في حديث سابق لدافيدي، تحدث عن أهمية الجانب الإنساني في الإدارة، وهو جانب قريب جدًا من فلسفة كارلو، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إيجاد طريقه الخاص.
كما أن تكوينه التكتيكي تأثر بمدربين آخرين، من بينهم يورجن كلوب وبيب جوارديولا وروبرتو دي زيربي وأوناي إيمري ولويس إنريكي.
دافيدي يبدو أكثر اهتمامًا بتفاصيل كيفية تحرك الفريق كوحدة، وكيفية الضغط، وكيفية الخروج من الضغط، وكيفية خلق الحلول أثناء المباراة.
رغم البداية القوية، فإن دافيدي نفسه يرفض التعامل مع النتائج باعتبارها دليلًا على اكتمال المشروع، وظهر ذلك في تصريحاته عقب مواجهة تروا، وهذا أمر يبدو منطقيًا.




