أرجأت سلطنة عُمان اجتماعاً كان مقرراً، يوم الاثنين، بين إيران ودول عربية وخليجية، لبحث مستقبل مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تشلّ طهران الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، في حين تتزايد الدعوات والضغوط على دول المنطقة لإيجاد طرق بديلة لتصدير الطاقة في ظل استمرار الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وتراجع حركة السفن عبر المضيق إلى مستويات متدنية.
وقالت وكالة الأنباء العُمانية الرسمية: «تقرّر تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرّراً عقده في مدينة صلالة بسلطنة عُمان إلى موعد لاحق، حرصاً على تهيئة الظروف الملائمة لحوار بنّاء يسهم في تحقيق تفاهمات مستدامة تدعم أمن المنطقة واستقرارها». وكتب وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في منشور على «إكس» قائلاً: «ما زلنا ملتزمين بتعزيز حوار يسهم في الاستقرار وفي تعاون مستدام في منطقتنا»، مشيراً إلى أن الاجتماع قد أرجئ «توخّياً للتوافق». وكانت طهران قد أعلنت عن هذا الاجتماع بمشاركة العراق ودول خليجية لم تحدّدها. ولم تؤكّد أيّ دولة من المنطقة مشاركتها، في حين أعلنت البحرين إحجامها عن المشاركة. أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقال إنه لا يبالي للاجتماع، فـ«هذا شأنهم». وكان الاجتماع المرتقب يكتسب أهمية خاصة في ظل المساعي الإقليمية لإعادة تنظيم حركة الملاحة عبر «هرمز»، الذي أصبح إحدى أبرز بؤر التوتر في الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير (شباط)، وما ترتب عليها من قيود واسعة على حركة السفن وإمدادات الطاقة.
سفن تجارية راسية وسط الضباب في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)
وتزامن تأجيل الاجتماع مع مؤشرات جديدة على استمرار اضطراب الملاحة في المضيق؛ إذ أظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن أن عدد سفن البضائع التي عبرت «هرمز» يومياً في مطلع الأسبوع تراجع إلى خانة الآحاد، مقابل متوسط بلغ 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وأظهرت البيانات خروج أربع سفن من الخليج عبر المضيق، بينها سفينة تحمل غاز البترول المسال، إضافة إلى سفينة محملة بالأسمدة، وأخرى تنقل النفط الخام أو المكثفات. وفي الاتجاه المعاكس، دخلت عشر سفن إلى الخليج، معظمها سفن شحن تحمل سلعاً وحبوباً ومعادن وشحنات سائبة جافة.
ولا تشمل أرقام التتبع بالضرورة جميع السفن؛ إذ يمكن أن تعبر بعض السفن المضيق بعد إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بنظام التعريف الآلي، ما يجعل رصدها أكثر صعوبة.
وجاء ذلك بعد إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة سفينة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، في حادث يعكس استمرار المخاطر التي تواجه السفن التجارية في المنطقة.
قد يهمك أيضًا: إيران تُلوّح بـ«صواريخ جديدة» ضد القوات الأميركية
ومع استمرار صعوبة الملاحة، تتجه دول الخليج بصورة متزايدة إلى تقليص اعتمادها على «هرمز» كممر رئيسي لصادرات الطاقة. وفي هذا الصدد، قال وزير الطاقة والمعادن العماني، سالم العوفي، خلال مؤتمر «جازتك» في بانكوك، إن المنطقة بحاجة إلى تحديد خيارات تصدير بديلة، سواء عبر المسار الشمالي أو من خلال سلطنة عُمان أو اليمن، داعياً إلى تنويع طرق تصدير موارد الطاقة.
وتكتسب الدعوة العمانية أهمية خاصة بالنسبة لصادرات الغاز الطبيعي المسال؛ إذ تمر نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة الخليجية عادة عبر «هرمز». وتمتلك عُمان بالفعل محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال على ساحلها الشرقي، بما يسمح لها بتصدير الغاز من دون المرور بالمضيق.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع بحث شركات خليجية عن منشآت لتصدير الغاز من خارج نطاق «هرمز»، في مؤشر على أن أزمة الملاحة قد تدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في البنية التحتية التي تعتمد عليها صادرات الطاقة.
أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير كانت نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر مضيق هرمز يومياً، من بينها ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات. وكان المضيق يشكل ممراً رئيسياً لنحو خُمس الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. لكن الحصار الأميركي على حركة الشحن المرتبطة بإيران أدى، منذ إعادة فرضه في منتصف يوليو (تموز)، إلى توقف صادرات النفط الخام الإيرانية، في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة التجارية بصورة كبيرة.
وفي المقابل، تبدو حركة السفن عبر مضيق باب المندب أكثر استقراراً نسبياً؛ إذ عبرت 24 سفينة شحن السبت و27 سفينة الأحد، مقارنة بمتوسط يقارب 27 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة «هرمز» لم تعد تقتصر على مسألة فتح المضيق أو إغلاقه، بل باتت تدفع دول الخليج إلى البحث عن بنية تصدير أكثر تنوعاً، في حين تتداخل ترتيبات الملاحة مع الحسابات الأمنية والعسكرية للحرب، والتوترات الإقليمية من اليمن إلى الخليج.




