أكد الدكتور عارف علي النايض، رئيس مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، أن التراث العلمي الليبي لم يكن منعزلًا عن محيطه العربي والإسلامي، بل تشكل عبر شبكة واسعة من الرحلات العلمية والأسانيد التي ربطت ليبيا بالمغرب وتونس ومصر والحجاز وبرنو.
جاء ذلك خلال مشاركة النايض في المؤتمر العلمي الدولي الثاني حول الهوية الدينية الليبية، المنعقد في مدينة زليتن خلال الفترة من 12 إلى 14 سبتمبر 2026، حيث قدم بحثًا بعنوان «الأصول والفروع الليبية لمدرسة الإمام الحسن اليوسي في علم الكلام الأشعري».
وأوضح النايض أن قراءة تاريخ العلم في ليبيا لا ينبغي أن تقوم على اعتبار البلاد مجرد متلقٍ للمعرفة من الخارج، مؤكدًا أن تتبع الأسانيد يكشف عن دور ليبي في إنتاج العلم وحفظه ونقله إلى مناطق أخرى.
وأبرز النايض الدور الذي لعبته مصر والأزهر الشريف في تكوين عدد من العلماء الليبيين، مستشهدًا بالشيخ محمد بن علي بن أبي بكر الحساني، المعروف بالسوداني، الذي أسس لاحقًا زاوية السوداني في بني وليد.
وأوضح أن السوداني رحل في طلب العلم إلى برنو، ثم فاس، حيث أقام نحو 13 عامًا، وأخذ عن عدد من كبار العلماء، بينهم الإمام الحسن اليوسي وعبد القادر الفاسي ومحمد بن ناصر، قبل أن ينتقل إلى مصر ويقيم في الأزهر نحو 12 عامًا، حيث تلقى العلم عن علمائه.
اقرأ ايضا: قرار جديد من أمانة عمّان يقلب قواعد بيع الخضار والفواكه
وأشار إلى أن السوداني عاد بعد رحلته العلمية إلى ليبيا، وأسّس زاوية في بني وليد تحولت إلى مركز للتدريس والإفتاء والقضاء، واستمرت المدرسة العلمية عبر أجيال من العلماء.
وأشار النايض إلى أن رحلات الحج كانت إحدى أهم وسائل التواصل العلمي، حيث التقى العلماء القادمون من ليبيا والمغرب ومصر والحجاز، وتبادلوا الإجازات والمعارف، مؤكدًا أن رحلة الإمام الحسن اليوسي إلى الحج ومروره بطرابلس تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التواصل.
ولفت إلى أن اليوسي أجاز عددًا من علماء طرابلس، في واقعة اعتبرها دليلًا على عمق الصلات العلمية بين ليبيا والمغرب.
وأكد النايض أن هذا التراث يكشف عن هوية دينية ليبية تشكلت من تفاعل العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتزكية والإسناد، داعيًا إلى توثيق المخطوطات والأسانيد وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للتراث العلمي الليبي.
ورأى أن استعادة هذا التراث لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما توظيف المشترك التاريخي في دعم الوحدة الوطنية الليبية وتعزيز التواصل بين ليبيا ومحيطها العربي والإسلامي.




