كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتابٌ جديدٌ بعنوان «مائة رسالة غير منشورة» صادر عن دار «أونوري شامبيون»، وهو يضمّ مائة وثيقةٍ غير منشورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائلَ تلقّاها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست من محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعةٍ نادرة جمعها الكاتب بنفسه وحافظ عليها في أوراقه الخاصة، تم العثور عليها بعد وفاته. وقد دخلت هذه المراسلات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه».
اقرأ ايضا: «أبو حالوب»… مرسال المثقفين العراقيّين المنفيين
تغطّي هذه الرسائل فترةً تمتدّ من 1886 إلى 1922، أي من صبا بروست حتى رحيله. وتتنوّع طبيعتها تنوّعاً مذهلاً: من البرقيات القصيرة الموجّهة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأسئلةٍ لغوية وأدبية عميقة. وتكشف هذه الوثائق، في طيّاتها، عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب، كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة. وتبرز من هذه المراسلات شخصيةُ والدة بروست، السيدة جان ويل – بروست، وهي المُخاطَبة الرئيسية والمُحاوِرة الفكرية الأولى له. كان يتبادل معها رسائل شبه يومية رغم أنهما كانا يعيشان في البيت نفسه لكن لم يكونا يستيقظان في الساعات ذاتها، فكان يفتتح رسائله إليها بعبارة «أمّي الصغيرة العزيزة»، كتب في إحداها: «هل تحفظين لي هذه الورقة الصغيرة لأنني أسجّل فيها في لحظةٍ بعض الأفكار… على عجلٍ… ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل». وهذا الطلب بالذات يكشف كيف كان بروست يعدّ حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكان يشكو لأمه صعوبة النوم، إذ كتب لها قائلاً: «الحادية عشرة والربع، ولم أبدأ بعدُ حتى بالتفكير في النوم؛ ربما كان السبب القهوة أو الدواء، لكني لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل».
لكنّ المفاجآت الحقيقية تكمن في الأصوات الهامشية التي تستعيد حضورها. فهناك صوت «أوجيني المسكينة»، وهي على الأرجح أوجيني ليميل، إحدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الباقية في كلّ ما وصلنا من أرشيف بروست، إذ تُشكّل رسالتها إليه الأثرَ الخطّيَّ الوحيد المنسوب إليها. وهناك صوت سيليست ألباريت، مدبّرة البيت الوفيّة التي رافقت بروست حتى عتبة الموت. ففي رسالةٍ كتبتها سيليست إلى أخيه روبرت بروست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، أي قبل أيامٍ قليلة من وفاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سيّدي مارسيل ليلةً فظيعةً، وكذلك النهار… سُعالاتٌ كثيرة تخنقه بشدّة. وهو أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى مصمّمٌ على ألّا يُعالَج، وألّا تُوقَد النارُ في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسةٌ من أن يستطيع أحدٌ ما أن يُمارس عليه شيئاً من التأثير». وتضيف الخادمة الوفية أنّ الكاتب كان يطلب منها منع الزيارات حتى يتفرّغ للكتابة، وكان يشرب كوباً من نقيع أعواد الكرز قبل أخذِ دواءٍ مهدِّئٍ للسُّعال.




