تحوّلت بريطانيا في الخطاب الروسي، خلال السنوات الأخيرة، إلى أحد أبرز الخصوم الغربيين لموسكو، وسط تصاعد حاد في الاتهامات والتهديدات المتبادلة، في مواجهة لا تقتصر جذورها على الحرب في أوكرانيا، بل تمتد إلى قرون من التنافس الجيوسياسي بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، وفق تحليل لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.
وتستند موسكو في عدائها المتزايد للندن إلى مزيج من الخلافات الراهنة والذاكرة التاريخية، بينما أسهمَ التقاربُ بين الرئيسين؛ الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في تحوّل بوصلة الخطاب الروسي المعادي للغرب من واشنطن إلى لندن.
برزت حدة هذا الخطاب في وسائل الإعلام الروسية، حيث باتت بريطانيا هدفاً متكرراً لتهديدات قاسية. ووصل الأمر بالرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف إلى وصف إنجلترا بأنها كانت ولا تزال وستبقى «عدوّتنا الأبدية».
ويرتبط التصعيد خصوصاً بالدور البريطاني في دعم أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في عام 2022. فقد كانت لندن في طليعة الدول التي قدّمت مساعدات عسكرية لكييف، في حين حافظت الحكومات البريطانية المتعاقبة على هذا التوجه.
وازداد التوتر أخيراً بعد إعلان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام اتفاقاً يتيح نقل معلومات تكنولوجية مرتبطة بصواريخ «ستورم شادو»، لمساعدة أوكرانيا على تطوير قدراتها المحلية في مجال الصواريخ بعيدة المدى، ما دفع موسكو إلى اتهامه بمحاولة قيادة «الجبهة المعادية لروسيا».
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في فلاديفوستوك بروسيا 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
لكن التنافس بين البلدين أقدم بكثير من حرب أوكرانيا. ففي القرن التاسع عشر، تنافست الإمبراطوريتان الروسية والبريطانية على النفوذ في آسيا الوسطى، ضِمن ما عُرف بـ«اللعبة الكبرى»، قبل أن تُقاتل بريطانيا إلى جانب فرنسا والدولة العثمانية ضد روسيا في حرب القرم (1853-1856).
اقرأ ايضا: واقعتان جويتان في مطار ميونيخ تثيران تساؤلات
وتركت تلك المرحلة أثراً عميقاً في المخيّلة السياسية الروسية، حيث ترسخت صورة بريطانيا بوصفها قوة تعمل خلف الكواليس لإضعاف روسيا وعرقلة توسعها.
واستمر التنافس بعد الثورة البلشفية، رغم فترات من التقارب، أبرزها العلاقة بين مارغريت ثاتشر وميخائيل غورباتشوف، ثم محاولات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بناء شراكة مع موسكو.
شكّل اغتيال المنشق الروسي ألكسندر ليتفينينكو بمادة البولونيوم المُشعة في لندن عام 2006، محطة مفصلية في تدهور العلاقات. وتفاقمت الأزمة لاحقاً مع ضم روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، والحرب في دونباس، ثم تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال بمادة «نوفيتشوك» على الأراضي البريطانية.
ومنذ اندلاع حرب أوكرانيا، انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر حدة، وسط مخاوف بريطانية من هجمات إلكترونية وعمليات تخريب وتدخلات روسية.
ألكسندر ليتفينينكو الذي كان آنذاك ضابطاً بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي يحضر مؤتمراً صحافياً بموسكو في هذه الصورة المؤرخة 17 نوفمبر 1998 والذي اغتيل في لندن عام 2006 (رويترز)
يحذّر خبراء من أن التصعيد الكلامي قد يترافق مع زيادة فيما يُعرف بـ«الهجمات الهجينة»، خصوصاً بعدما تحدّث مسؤولون روس سابقون عن احتمال تنفيذ أعمال «شبه عسكرية» ضد أهداف مرتبطة ببريطانيا.
ويرى الباحث جون لو أن هناك «خطراً واضحاً للتصعيد»، لكنه يتعامل، في الوقت نفسه، مع التهديدات الروسية بقدر من التشكك، مشيراً إلى أن التصعيد ينطوي أيضاً على مخاطر لموسكو، إذ قد يؤدي إلى رد عسكري أميركي وتعزيز حلف شمال الأطلسي «ناتو».




