يتسع الفارق بين جمود المسار التفاوضي وتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان، مع استمرار القصف والتجريف والتفجير وإحراق المنازل، مما يثير تساؤلات حول فرض وقائع جديدة تسبق أي تفاوض مقبل.
وسجّل يوم الاثنين إحراق القوات الإسرائيلية منازل في حولا وقصفها مدفعياً، وقصف زوطر الشرقية، وتنفيذ تفجيرات في عدشيت القصير وكفرتبنيت وأرنون. وفي القطاع الغربي، يواصل الجيش الإسرائيلي منذ الأحد، تجريف الحي الرابع في المنصوري بالتزامن مع قصف مدفعي، بعدما تعرضت البلدة ومزرعة بيوت السياد للقصف ليلاً وحتى الفجر، فيما سُجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بيوت السياد وحداثا، وتحليق منخفض للمسيّرات فوق ضاحية بيروت الجنوبية، وفوق صيدا وشرقها.
وتزامن ذلك مع اجتماع وزاري دوري ترأسه رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، بحث ملف «اليونيفيل» وتداعيات انسحابها والفراغ المحتمل، مع تأكيد ضرورة استمرار الوجود الأممي في الجنوب.
وفي موازاة التصعيد، لم يتحدد بعد موعد لجولة تفاوضية جديدة في روما، وسط استمرار الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.
تصاعُد الدخان إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة المنصوري في جنوب لبنان كما بدا من مدينة صور (أ.ب)
قال العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على استغلال الجمود، بل قد يكون تحويل الجمود التفاوضي نفسه إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة الميداني، بحيث تصبح الوقائع الجديدة نقطة الصفر لأي تفاوض لاحق. ومفاوضات روما تناولت الملفات العسكرية والسياسية والقانونية والحدودية من دون اختراق حاسم، فيما استمرت العمليات والتوغلات بالتوازي مع المسار التفاوضي».
وأضاف: «الفكرة المركزية هي جعل الأمر الواقع سابقاً على التفاوض. فهناك فرق كبير بين التفاوض على خريطة قائمة والتفاوض على خريطة أسهمت في رسمها. والجمود يمنح إسرائيل مساحة زمنية، والزمن في الصراعات غير المتكافئة ليس محايداً، إذ يستطيع الطرف الأقوى عسكرياً استخدامه لإعادة تشكيل البيئة وفرض وقائع تتحول لاحقاً إلى أوراق تفاوض».
وتابع: «الأخطر ليس بالضرورة اجتياحاً واسعاً، بل التغيير التدريجي منخفض الوتيرة المتمثّل في تدمير بنى، وإخلاء مناطق، وتثبيت نقاط سيطرة، وتوسيع مجال الحركة العسكرية، وعرقلة الإعمار والعودة، وتحويل بعض المناطق إلى نطاق أمني فعلي، مع تقديم كل خطوة بوصفها إجراءً دفاعياً أو عملية محدودة. ومع تراكمها تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع تحتاج إلى معالجة سياسية».
وأوضح أن «نقطة التحول تُقاس بالجغرافيا والسكان. فتثبيت وجود مستدام في نقاط تمنح إشرافاً نارياً أو سيطرة على طرق الحركة ومراقبة العمق يجعل الجغرافيا ورقة تفاوض، فيما استمرار قرى مدمرة أو خالية من السكان قد يحوّل السؤال من: متى تنسحب إسرائيل؟ إلى: متى تسمح بعودة السكان؟ كما أن استمرار الوجود خلف الخط الأصفر قد يدفع إلى تحويله من خط أمني مؤقت إلى مرجعية تفاوضية».
قد يهمك أيضًا: ترامب: نجري محادثات جيدة مع إيران
يرى حلال أن «إسرائيل قد تسعى في التفاوض المقبل إلى ربط الانسحاب بنزع سلاح (حزب الله) وانتشار الجيش والتحقق الأميركي ومنع إعادة البناء واحتفاظها بحق الرد وفق تقييمها، فيما يريد لبنان وقف الاعتداءات والانسحاب ثم استكمال انتشار الدولة ومعالجة الملف الأمني ضمن السيادة. لذلك فالعقدة الأساسية هي ترتيب الخطوات».
من هنا يقول: «تستطيع إسرائيل تحويل الجمود والتصعيد المحدود والسيطرة الميدانية والزمن إلى وقائع جديدة، ثم استخدام الوساطة الأميركية لتحويلها إلى شروط تفاوضية، ما دام التفوق العسكري قائماً، ولا يوجد ضغط أميركي حاسم، ولا تتحول الوقائع إلى تكلفة سياسية ودبلوماسية عليها. لكنها قد تنجح تكتيكياً وتخسر استراتيجياً، لأن اتساع السيطرة يرفع تكلفة تثبيتها وحمايتها. إنها محاولة لتحويل الجمود إلى مرحلة (هندسة ميدانية) يصبح فيها الانسحاب نفسه ورقة تفاوض. والسؤال اللبناني هو: ما الحد الميداني الذي إذا تجاوزته إسرائيل يصبح التراجع عنه تفاوضياً أصعب من منعه قبل حدوثه؟ وهذه هي معركة المرحلة المقبلة».
تصاعُد الدخان إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت في محافظة النبطية بجنوب لبنان (د.ب.أ)
من جهته، يقول العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «من البديهي القول إن الولايات المتحدة ألزمت إسرائيل بعدم زيادة توغلها في الجنوب اللبناني. فعندما بدأت المفاوضات، بدا أن الورقة التي حصل عليها لبنان تمثلت في وقف التوغل الإسرائيلي، لكنه لم يحصل في المقابل على وقف كامل للأعمال القتالية. ذلك ورقة الإطار أتاحت لإسرائيل التعامل مع ما تعده أي تهديد ضمن البقعة التي تسيطر عليها».
وتابع ملاعب: «أصبحت المطالبة الأساسية لرئيس الجمهورية اليوم وقف التدمير. لم يعد الحديث فقط عن وقف الأعمال القتالية أو الانسحاب، بل عن وقف عمليات التدمير والحرق التي تقوم بها إسرائيل. وهذا الواقع يخلق معطى جديداً ستحاول إسرائيل استغلاله على طاولة المفاوضات المقبلة».
سيدة تتفقد منزلها في بلدة عربصاليم بعد تعرضه لقصف إسرائيلي الخميس الماضي (أ.ب)
يرى ملاعب أن «ما يجري ليس بعيداً عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة»، موضحاً أن «هذه الاستراتيجية تنطلق من أن الولايات المتحدة لن تقبل بنفوذ إيراني على شاطئ البحر المتوسط. وقد شهدنا ما حصل في سوريا، حيث اتجه الوضع مع الرئيس أحمد الشرع إلى إنهاء الوجود القتالي الروسي على المتوسط وحصر أي وجود محتمل في أطر تدريبية أو لوجستية، ولذلك لن تقبل واشنطن، وفق هذا المنطق، بوجود إيراني على المتوسط بهذه الصورة».
وقال ملاعب: «من هذا المنطلق، فإن ما تفعله إسرائيل يحظى بغطاء أميركي. وعندما نسمع السفير الأميركي يسأل ماذا فعلت الحكومة اللبنانية حتى الآن في ملف «حزب الله»، ويؤكد أن واشنطن تتعامل مع الحكومة اللبنانية، فهذا يعني أن هناك التزاماً لبنانياً ترى الولايات المتحدة أنه يجب تنفيذه فيما يتعلق بسلاح (حزب الله)».
وختم: «كان لبنان يراهن على أن يعمل الوقت لمصلحته، وأن يُصار مستقبلاً إلى معالجة المشكلات الأميركية – الإيرانية بما يسمح له بالاستفادة من أي تبدل يُنهي حالة التوتر بين واشنطن وطهران. لكن إسرائيل، في المقابل، تحاول من خلال ما تقوم به ميدانياً إخضاع لبنان وفرض شروط جديدة في المفاوضات المقبلة».




