أعاد الإفراج عن مواطن أميركي كان محتجزاً لدى جماعة مرتبطة بتنظيم «داعش» في منطقة الساحل، مع حديث عن دور سلطات شرق ليبيا في العملية، تسليط الضوء على الانفتاح المتدرج في العلاقة بين واشنطن وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.
فبعد سنوات كان يُنظر خلالها إلى حفتر في دوائر صنع القرار الأميركي باعتباره طرفاً في الصراع الليبي، بات اليوم -حسب دبلوماسيين ومحللين- لاعباً أمنياً تتعامل معه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز حدود بلاده إلى مكافحة الإرهاب وأمن منطقة الساحل.
ويقول الدبلوماسي الليبي محمد خليفة المرداس إن المقاربة الأميركية خلال السنوات الأخيرة تبدو أكثر براغماتية في التعامل مع حفتر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يتحول إلى حليف أميركي، لكنه انتقل من طرف في معادلة صراع ينبغي احتواؤه إلى لاعب أمني لا تستطيع واشنطن تجاهله، خصوصاً مع تنامي دوره في الملفات الأفريقية وقدرته على التأثير في مناطق جنوب ليبيا المتصلة بمنطقة الساحل والصحراء».
وظهر الأميركي كيفن رايدوت، في تسجيل مصور مقتضب بثته قنوات محلية ليبية، فجر الاثنين، متحدثاً عن نقله بدراجة نارية إلى مالي بعد اختطافه في النيجر حيث كان يعمل في منظمة غير حكومية.
الأميركي كيفن رايدوت متحدثاً عقب وصوله إلى بنغازي الليبية بعد تحريره من قبضة «داعش» في مالي (قناة الحدث المحلية)
لكن مجرد ظهور اسم حفتر في عملية تتعلق برهينة أميركي في منطقة الساحل يعكس، حسب مراقبين، اتساع هامش التعامل معه باعتباره «صاحب نفوذ أمني يتجاوز الحدود الليبية».
ويربط رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية»، هاني شنيب، التطورات الأخيرة في العلاقة بين واشنطن وحفتر، وآخرها دوره في تحرير الرهينة الأميركي، بما يمكن قراءته في استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي أعادت تركيز السياسة الخارجية على «المصالح القومية الأميركية الأساسية والحيوية فقط»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».
وفي بلد يعيش انقساماً عسكرياً بين شرقه وغربه منذ عام 2014، رسم هذا الانفتاح مساره على مدى نحو سبع سنوات.
ففي ذروة هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، عارضت واشنطن العملية ودعت إلى وقفها، في حين عدّت «الخارجية الأميركية» الحسم العسكري تهديداً لمسار التسوية السياسية. وجاء ذلك في وقت تصاعد فيه التنافس الروسي-الأميركي حول ليبيا، رغم أن الرئيس دونالد ترمب تحدث هاتفياً مع حفتر في أبريل (نيسان) من العام نفسه، وأشاد بدوره في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النفط الليبية.
ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، استمرت واشنطن في حوارها مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس، والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وظلت حَذِرة من حفتر، خصوصاً بسبب علاقاته مع روسيا.
لكن التواصل العسكري المباشر منح العلاقة بُعداً أكثر وضوحاً.
قد يهمك أيضًا: الجزائر تواصل إخماد الحرائق ومكافحة البؤر المشتعلة
ففي أغسطس (آب) 2024، التقى قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال مايكل لانغلي، مسؤولين في طرابلس، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء حفتر وقيادات الجيش. وقالت «أفريكوم» إن المحادثات تناولت سبل توحيد الجيش الليبي وتعزيز سيادة البلاد.
ويقول شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة الأميركية منذ عهدَي الرئيسين الأسبق باراك أوباما والسابق جو بايدن بدت متناغمة مع أوروبا وإلى حد ما مع الأمم المتحدة، لكنه يرى أنها «تغيرت الآن لتنصبَّ فقط على مصلحتها بطراز ترمب».
وبعد شهر من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، تكرر مشهد التواصل العسكري مع حفتر بصورة أكثر مباشرة، عندما التقاه نائب قائد «أفريكوم»، الجنرال جون برينان، في فبراير (شباط) 2025، كما التقى نجله صدام في سرت، ضمن لقاءات مع مسؤولين في الشرق والغرب هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني. وبلغ التعاون ذروته عندما رَعَت «أفريكوم» مناورات مشتركة شاركت فيها قوات من شرق ليبيا وغربها.
ومنذ ذلك الحين، باتت واشنطن تنظر إلى حفتر باعتباره «الخيار الأفضل القادر على ضبط الجغرافيا الليبية، في مرحلة تريد فيها الولايات المتحدة تقليص انخراطها في أزمات أخرى، مع تركيز استراتيجي أكبر على آسيا والمنافسة مع الصين والصراع مع إيران»، حسبما يقول المرداس.
وتَعزّز الحديث عن هذه المقاربة مع «مبادرة أميركية» لتقاسم السلطة بين طرفَي الصراع الليبي. وتقوم المبادرة، وفق ما تسرب منها، التي جاءت تتويجاً لتحركات دبلوماسية نشطة لكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل ترؤس عبد الحميد الدبيبة حكومة موحدة.
ويصف شنيب رفع واشنطن مستوى علاقتها علناً مع حفتر بأنه بمثابة «حافز له مقابل أن يتحول علناً هو الآخر إلى داعم أساسي لسياسة أميركا في ليبيا والشرق الأوسط والساحل».
غير أن تنامي العلاقات بين حفتر وواشنطن يضع علامات استفهام أمام علاقته بموسكو، ولا سيما وجودها العسكري في ليبيا، باعتباره «العقدة الأصعب في هذا التقارب».
ويتمثل الوجود الروسي في «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع والمتمركز في مواقع استراتيجية، بشرق البلاد وجنوبها، وينظر إليه بوصفه تأميناً لنفوذ موسكو على البحر المتوسط وخطوط إمدادها نحو أفريقيا.
ويرى الباحث الروسي كيريل سيمينوف أن علاقة حفتر بموسكو تقوم على اعتماد متبادل؛ إذ لا تزال روسيا «توفّر له دعماً عسكرياً وخبرة تشغيلية مهمة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، فهي تحتاج إلى وجوده لتثبيت نفوذها في ليبيا وأفريقيا».
غير أن سيمينوف لا يعتقد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن إدارة الرئيس ترمب تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع النفوذ الروسي في ليبيا. ولذلك، فإن التقارب الأميركي مع حفتر لا يعني، في تقديره، «أن واشنطن أصبحت بديلاً عن موسكو بالنسبة إليه، أو أن الرجل مستعد للتخلي عن الروس لمصلحة الأميركيين».
Your Premium trial has ended




