تستيقظ عمّان كل صباح على موعد واحد، حتى ليخيَّل إلى الناظر أن مدينة بأكملها قررت أن تعبر الشوارع في اللحظة نفسها؛ آلاف المركبات تنطلق في نافذة زمنية ضيقة، متجهة إلى أعمالها ومدارسها وجامعاتها ومؤسساتها، فتتشكل موجة مرورية هائلة لا تعكس ضعفاً في إرادة الناس، بقدر ما تعكس اختلالا في إيقاع المدينة.
وعندما نقف أمام هذا المشهد اليومي، ربما يكون من الإنصاف أن نطرح سؤالا مختلفا عن الأسئلة التي اعتدنا تكرارها:
هل أصبحت أزمة المرور في عمّان أزمة طرق…
أم أزمةَ إدارة؟
كثيرون يطالبون بالمزيد من الجسور والأنفاق وتوسعة الشوارع، وهي مطالب مشروعة لا يختلف عليها اثنان.
غير أن الهندسة تُعَلِّمنا أن الطريق، مهما اتسع، يمتلك في النهاية طاقة استيعابية محددة، فإذا تجاوز حجم الحركة تلك الطاقة، انخفضت سرعة التدفق، وبدأت الشبكة المرورية كلها تفقد كفاءتها تدريجياً… وعند هذه النقطة، لا يكون الازدحام مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لقوانين الحركة.
ومن هنا، قد يكون السؤال الأهم:
هل تطور الإنسان الأردني بوتيرة أسرع من تطور البنية التحتية والتشريعات التي تنظم حركته؟
أميل إلى الاعتقاد أن الإجابة نعم.
فالمدينة التي كانت تخدم قبل عقود عدداً أقل من السكان والمركبات، أصبحت اليوم تحتضن مجتمعاً أكبر، واقتصاداً أكثر تعقيداً، ومؤسسات أكثر، وجامعات ومستشفيات ومدارس وشركات تضاعف نشاطها، بينما بقيت ساعات العمل، في معظمها، تتدفق نحو اللحظة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة.
فنحن ننظر إلى الأزمة وكأنها نقص في الإسفلت، بينما قد يكون جزء كبير منها ناتجا عن تزامن الحركة أكثر من كونه ناتجاً عن حجمها.
في هندسة النقل؛ لا تقوم جميع الحلول على زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق، بل هناك مسار آخر لا يقل أهمية، يُعرف بـ “إدارة الطلب على الحركة المرورية”…
وفكرته في غاية البساطة:
نوصي بقراءة: الاتحاد السعودي يقترب من ضم نجم كلوب بروغ
إذا تعذر توسيع الطريق بسرعة، فلنُعِد تنظيم زمن استخدامه…
– فهل من الضروري أن تبدأ جميع المؤسسات أعمالها في الساعة نفسها؟
– وهل يشترط أن تتزامن الدوائر التي لا تستقبل الجمهور مع ساعات الذروة؟
– وهل يمكن اعتماد ساعات عمل مرنة، أو أنظمة عمل عن بُعد للوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، بما يوزع الحركة على ساعات أطول ويخفف الضغط عن الشبكة المرورية؟
هذه الأسئلة لا تَدّعي امتلاك الحل، لكنها تدعو إلى توسيع زاوية النظر… فإمكانات الدولة الاقتصادية معروفة، ومشاريع الطرق الكبرى تحتاج إلى سنوات طويلة وتمويل ضخم، بينما قد تحقق بعض القرارات الإدارية والتنظيمية أثراً ملموساً بكلفة محدودة وفي زمن أقصر.
إن إدارة المدن لم تعد تَعني بناء الطرق فقط،
بل تعني إدارة الزمن أيضاً…
والزمن، في المدن الحديثة، مورد لا يقل قيمة عن الأرض أو المال. وكل دقيقة تضيع في ازدحام غير ضروري هي خسارة مركبة؛ في الإنتاج، وفي الوقود، وفي البيئة، وفي جودة الحياة.
ولعل المرحلة القادمة تستدعي أن :
ننتقل من التفكير في توسعة الطرق إلى التفكير في “إدارة الحركة”،
ومن هندسة الإسفلت إلى “هندسة الزمن”،
ومن مطاردة الازدحام بعد وقوعه إلى منع أسبابه قبل أن تتشكل.
فقد لا يكون أكثر الحلول حكمةً هو الأكثر كلفة،
بل الأكثر فهماً لطبيعة المشكلة.
بقلم : موسى الزول




