قال مصدر سياسي في تل أبيب إنه من الصعب تصور أن تُحدث المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي بدأت جولتها السابعة في العاصمة الإيطالية روما، الثلاثاء، تقدماً كبيراً يفضي إلى انسحاب كبير من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، كما يطلب الجانب اللبناني؛ لأن الأوضاع السياسية (الانتخابات للكنيست) تمنع ذلك.
وادعى المصدر، في حديث إلى صحيفة «معاريف» العبرية، أن الولايات المتحدة توافق على بعض المطالب اللبنانية، خصوصاً في موضوع عدم خرق وقف النار، وتريد تخفيف التوتر الحربي، لكنها تتفهم الموقف الإسرائيلي في عدم تنفيذ انسحاب كبير من الجنوب اللبناني، وتركز المفاوضات في روما على إقامة آلية المراقبة لتنفيذ الاتفاق وعلى مواضيع ثانوية أو مواضيع كبيرة تحتاج إلى وقت طويل، مثل ترسيم الحدود البرية ومستقبل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين. وهذه قضايا تحتاج إلى مفاوضين بمستوى سياسي قيادي وليس مثلما يجري الآن بمفاوضين من السلك الدبلوماسي.
دبابات إسرائيلية تنتشر في قرية زوطر الشرقية في جنوب لبنان يوم 2 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
وعلى سبيل المثال، طرح الوفد الإسرائيلي مطالب جديدة في ترسيم الحدود البرية، على الرغم من أن البلدين ناقشا هذا الموضوع في الماضي، وحددا 13 نقطة خلاف على طول الحدود، وخلال المفاوضات اتفقا على تسع منها. وقد أحضر الوفد الإسرائيلي خبيراً في القانون الدولي، هذه المرة، يطرح إجراء تعديلات على ما كان قد اتفق عليه في الماضي (قبل الحرب).
وبحسب تقديرات الإذاعة الإسرائيلية الرسمية، فإن الأميركيين ما زالوا مقتنعين بأن الجيش اللبناني غير مؤهل بعد لفرض سيادة الدولة، وتوحيد السلاح وبأن إسرائيل وحدها القادرة على نزع سلاح «حزب الله» بالضغط العسكري. لذلك تساير إسرائيل، ولا تتخذ موقفاً حازماً ضد خروقاتها للاتفاق وضرباتها العسكرية اليومية، وتوافق إسرائيل على أن «حزب الله» أيضاً يخرق الاتفاق.
ومع ذلك، يخشى الإسرائيليون أن تغير الإدارة موقفها على ضوء ما يجري في الساحة الإيرانية.
تصاعد أعمدة الدخان جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
نوصي بقراءة: دينية النواب: خارطة طريق غزة انتصار نابع من الحكمة الإنسانية والسياسية لمصر
وقال البروفيسور بلير ميلر، المتخصص في العلاقات الدولية من جامعة حيفا، إن الأميركيين فشلوا في إدارة المعركة في إيران، والرئيس دونالد ترمب يتعرض لحملة انتقادات شديدة تهز مكانته وهيبته اليوم في الولايات المتحدة وفي العالم، بسبب إخفاقاته، ويريد أن ينجح في المفاوضات بين إسرائيل ولبنان أو في جبهة غزة، ويفضل كليهما. وتخشى إسرائيل أن يطالبها بدفع الثمن؛ لذلك ترفع سقف مطالبها، وتصعد ضرباتها في لبنان، بل تعمق احتلالها في الجنوب اللبناني بواسطة ترسيخ مواقعها العسكرية.
وقال شهود عيان، للصحافة العبرية، إن ما يجري في الجنوب اللبناني لا يوحي أبداً بأن هناك نية على الانسحاب؛ فإسرائيل تبني الاستحكامات والتحصينات، وتكثف من انتشار قواتها، وترسل آلاف الطائرات المسيرة التي تحوم في الأجواء اللبنانية، وترفض الطلب اللبناني تنفيذ انسحاب كبير لإقامة مناطق تجريبية، في بنت جبيل والخيام، وتدير حرباً نفسية ضد نحو 30 شخصاً من عناصر «حزب الله» العالقين في مرتفعات علي الطاهر؛ إذ تدخل طائرات مسيرة تصدر أصوات ضجيج يمزق طبلات الأذن على مدار الساعة لحملهم على الاستسلام.
وعشية وصول الوفود إلى روما، نفذت القوات الإسرائيلية، الاثنين، عمليات تفجير في بلدات دير سريان وحداثا والطيبة، وأحرقت منازل في بيت ياحون، بالتزامن مع قصف مرتفعات علي الطاهر.
ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، تؤكد مصادر عسكرية أنه بعد انسحاب إسرائيل المحدود من أطراف بلدة زوطر الغربية وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة، انتقل النقاش خلال الجولة الجديدة إلى تفاصيل أكثر تعقيداً تتعلق بالخرائط وآليات التنفيذ، بما يشمل تحديد مناطق الانسحاب الإسرائيلي، والجهة التي ستتسلم الأراضي، وآلية تقييم انتشار الجيش اللبناني، والجدول الزمني للانتقال إلى المراحل التالية.
وكان المسار الحالي قد انطلق قبل نحو 4 أشهر، حيث عقد الطرفان 5 جولات تفاوضية في واشنطن برعاية وزارة الخارجية الأميركية، انتهت في 26 يونيو (حزيران) الماضي، بتوقيع اتفاق إطار ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح الجماعات المسلحة في المناطق التي تستعيد الدولة السيطرة عليها.
وخلال الجولة السادسة التي عُقدت في روما منتصف يوليو (تموز) الماضي، اتفق الجانبان على تحديد منطقتين تجريبيتين، إحداهما ضمن مناطق الاحتلال الإسرائيلي والأخرى بمحاذاة المواقع الإسرائيلية، على أن تستكمل التفاصيل الميدانية في اجتماع عسكري لاحق، وعقب ذلك، انسحبت القوات الإسرائيلية من أطراف زوطر الغربية، وانتشر الجيش اللبناني فيها، كما أدرجت بلدتا فرون وصريفا ضمن العملية، إلا أن محللين إسرائيليين رأوا أن الانسحاب الفعلي اقتصر على زوطر، على أساس أن البلدتين الأخريين لم تكونا ضمن مواقع الانتشار العسكري الإسرائيلي.
وتسعى إسرائيل في الجولة الجديدة التركيز على آلية مراقبة تنفيذ الاتفاق، بغرض اختبار قدرة الجيش اللبناني على منع عودة «حزب الله» إلى المناطق الحدودية.




