واجهت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، اختباراً أمنياً صعباً جديداً، الثلاثاء، بعدما اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة بين ميليشيات وفصائل مسلحة محسوبة عليها في مدينتي صرمان والزاوية غرب العاصمة طرابلس، قبل أن تتوقف في صرمان، مع دخول قوات «اللواء 52»، وتهدأ حدتها في الزاوية.
وتجددت المواجهات في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء بين عناصر «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية»، بقيادة محمد بحرون الملقب بـ«الفار»، وعناصر «الكتيبة 103 مشاة» المعروفة باسم «كتيبة السلعة» بقيادة عثمان اللهب، بمشاركة ميليشيا مهند سويسي.
قوات من المنطقة العسكرية الغربية بعد تكليفها بتأمين صرمان (المنطقة العسكرية الغربية)
وبحسب شهود عيان، فقد استمر القتال لنحو أربع ساعات داخل أحياء سكنية، باستخدام أسلحة متوسطة وثقيلة، فيما رصدت صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي استخدام طائرة «مسيّرة» في الاشتباكات، وسط أنباء عن سقوط خمسة أشخاص على الأقل من تابعي «كتيبة السلعة»، إثر استهدافهم بطائرة مسيّرة تابعة لميليشيا سويسي.
وبينما سبق أن استخدمت قوات تابعة لحكومة «الوحدة» طائرات مسيّرة في عمليات بغرب البلاد، في إطار حملات ضد «شبكات للتهريب»، فإن لجوء ميليشيات محلية صغيرة نسبياً إلى هذا السلاح في مواجهات داخلية يمثّل – وفقاً لمصادر محلية وأمنية – تصعيداً نوعياً في أساليب القتال بين المجموعات المسلحة في الزاوية وصرمان، ويرفع مستوى المخاطر على المدنيين في محيط الاشتباكات.
ميدانياً، سيطرت قوات سويسي وبحرون على جنوب صرمان ومقر ميليشيا «دعم الاستقرار»، وانتشرت المصفحات في الشوارع السكنية، وهو ما أثار حالة ذعر واسعة بين الأهالي، كما احتجزت مصفحة تابعة لسالم لطيف الموالي لـ«السلعة».
صورة متداولة لانتشار عناصر «اللواء 52 مشاة» في صرمان الليبية
وإثر فرار عدد كبير من النزلاء من مؤسسة الإصلاح والتأهيل (سجن صرمان المركزي)، بعد تمدد الاشتباكات إلى جواره، دعا «جهاز الشرطة القضائية» بمدينة الزاوية جميع الهاربين إلى التوجه فوراً إلى أي مؤسسة تابعة للفرع لتسليم أنفسهم، بناءً على تعليمات رئيس الجهاز والنائب العام ومحامي عام الزاوية.
وتزامن توقف القتال مع دخول قوات فض النزاع، التابعة لـ«اللواء 52» بقيادة محمود بن رجب، إلى مدينة صرمان؛ حيث تمركزت أمام سجن المدينة بهدف احتواء التوتر الميداني وإعادة الهدوء، عقب توقف الاشتباكات المسلحة التي شهدتها المدينة خلال الساعات الماضية.
تصفح أيضًا: ترمب: نتحادث مع إيران لكن هذا لا يعني أننا سنصل إلى اتفاق
وأكدت بلدية صرمان بدء عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها داخل المدينة والساحل، بعد دخول قوات فض النزاع وانتشارها للمساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار، مشيرة إلى الاستقرار النسبي للأوضاع، وعدم وجود أي مشاكل أو اشتباكات.
وكانت البلدية قد أعلنت في وقت سابق تعليق العمل في الإدارات والمرافق كافة، واعتبار الثلاثاء عطلة استثنائية، وأدانت الأعمال الخارجة عن القانون، محمّلة الأطراف المتسببة المسؤولية الكاملة، كما دعت المواطنين إلى البقاء في منازلهم، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، والتواصل مع فرق الهلال الأحمر عند الحاجة.
من جهته، أعلن «الهلال الأحمر الليبي» في صرمان نقل سيدة سودانية كانت في حالة ولادة إلى مستشفى صبراتة التعليمي لضمان سلامتها، داعياً المواطنين للالتزام بتعليمات السلامة والتواصل مع غرفة البلاغات عند الطوارئ. كما أعلن رفع درجة الاستعداد القصوى لفرق الطوارئ، وطالب جميع الأطراف المتنازعة بتحكيم العقل، وفتح ممرات إنسانية آمنة.
سجناء لحظة فرارهم من سجن صرمان غرب ليبيا (من مقطغ فيديو متداول)
وفي مدينة الزاوية المجاورة، اندلع حريق في أحد المحال بمنطقة الحرشة، وأُغلق الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس وتونس بشكل كامل، فيما حذر «جهاز الإسعاف والطوارئ» من ارتياد المنطقة، خوفاً على سلامة المدنيين والمنشآت النفطية.
ودفعت هذه التطورات بلدية الزاوية إلى إعلان تعليق العمل، اليوم الثلاثاء، بكل إداراتها حفاظاً على سلامة الموظفين والعاملين، وحذرت المواطنين من أن بعض الطرق – من بينها الطريق المؤدي إلى مصفاة الزاوية النفطية – غير سالكة، وغير آمنة بسبب الاشتباكات الجارية، وحثت على تجنب استخدامها حفاظاً على السلامة العامة.
وكانت الزاوية قد شهدت اشتباكات مماثلة مؤخراً، أدت إلى توقف مؤقت لعمليات المصفاة النفطية وإخلاء الميناء، وسط تحذيرات من مخاطر تمس المنشآت الحيوية والمدنيين.
وتقع الزاوية على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفطية عاملة في ليبيا، بينما تبعد صرمان عنها نحو 25 كيلومتراً غرباً على الطريق الساحلي نفسه، ما يسهل انتقال التوتر والتصعيد.
وتكشف هذه الأحداث الهشاشة الأمنية المزمنة في غرب البلاد؛ حيث تسيطر مجموعات مسلحة على أجزاء واسعة من المدن والطرق، رغم خضوعها اسمياً لسلطة حكومة «الوحدة»، التي التزمت الصمت، لكن رئيس الأركان العامة المكلف التابع لها، الفريق صلاح النمروش، كلف المنطقة العسكرية بالساحل الغربي بتجهيز قوة عسكرية للتمركز في صرمان، لتولي مهام تأمينها وحماية سجنها.




