شهدت جبهات يمنية عدة خلال اليومين الأخيرين تصعيداً حوثياً في جبهات تعز والضالع، وسط تصدي القوات الحكومية، وذلك بالتزامن مع صدور تقرير حقوقي يوثق آلاف الانتهاكات المنسوبة للجماعة في مناطق سيطرتها، في وقت أكدت فيه القيادة اليمنية استمرار رفع الجاهزية العسكرية في عدد من المحاور.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر عسكرية يمنية بمقتل وإصابة 3 من عناصر الجماعة الحوثية، خلال اشتباكات اندلعت في جبهة العنين بمديرية جبل حبشي غرب محافظة تعز، عقب محاولة عناصر حوثية تنفيذ تحركات عسكرية باتجاه مواقع الجيش.
وحسب المصادر، تعاملت قوات الجيش مع التحركات الحوثية، وأجبرت العناصر المهاجمة على التراجع بعد تكبدها خسائر بشرية، مؤكدة استمرار تمركز القوات في مواقعها، ورفع مستوى الجاهزية تحسباً لأي محاولات جديدة.
وفي الجبهة الغربية لمحافظة تعز، شهدت جبهة البرح مواجهات مماثلة بعد رصد وحدات من «اللواء 43» التابع للفرقة الرابعة في «المقاومة الوطنية» تحركات حوثية استهدفت خطوط التماس.
وقال الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية إن الاشتباكات استمرت قرابة ساعتين، رافقها قصف مدفعي استهدف مواقع وتجمعات حوثية، قبل أن تتراجع العناصر المهاجمة بعد تعرضها لخسائر في الأرواح والعتاد.
عناصر من قوات الحكومة اليمنية خلال وقفة لهم في الخوخة على ساحل البحر الأحمر (أ.ف.ب)
وترى مصادر عسكرية أن الجماعة تحاول بصورة متكررة اختبار دفاعات القوات الحكومية في جبهات تعز، عبر عمليات تسلل محدودة أو قصف متبادل، إلا أن تلك المحاولات غالباً ما تنتهي بإعادة تثبيت خطوط التماس دون تحقيق تغييرات ميدانية كبيرة.
وفي محافظة الضالع، قُتل أحد أفراد القوات الحكومية المشتركة، وأصيب اثنان آخران خلال مواجهات في جبهة الفاخر شمال المحافظة، إثر هجوم ومحاولة تسلل نفَّذتها عناصر حوثية باتجاه مواقع القوات المرابطة في القطاع.
وقالت مصادر محلية إن الجندي نزيه عيدروس الحاج، وهو من أبناء مدينة الضالع، قُتل أثناء المواجهات، بينما تمكنت القوات المشتركة من إحباط محاولة التسلل.
وتشهد جبهات شمال وغرب الضالع اشتباكات متقطعة منذ أشهر، وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين بخرق التهدئة، في حين تؤكد القوات الحكومية أن الحوثيين يواصلون حشد مقاتلين وتعزيز مواقعهم العسكرية في خطوط التماس.
ويرى مراقبون أن استمرار العمليات المحدودة في تعز والضالع يعكس تمسك كل طرف بمواقعه الحالية، مع السعي إلى استنزاف الطرف الآخر من خلال عمليات قصف وتسلل متكررة، دون الانتقال إلى معارك واسعة النطاق.
وبالتوازي مع المواجهات العسكرية، استمرت تداعيات الحرب على المدنيين؛ حيث قُتل مواطن برصاص قناص حوثي في مديرية مقبنة غرب محافظة تعز.
ووفق مصادر محلية، استهدف القناص المواطن عبد اللطيف جميل أثناء مروره برفقة نجله على دراجة نارية في منطقة خط القشعة، وأصابته الرصاصة في الرأس، ما أدى إلى مقتله على الفور.
عنصر من القوات الحكومية اليمنية خلال القيام بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
وجاءت الحادثة بعد يوم واحد من إصابة المواطنة فوزية حسان أحمد أثناء رعيها الماشية في قرية الكبب بمنطقة القحيفة العليا في المديرية نفسها، إثر إطلاق نار من قبل قناصة الجماعة.
وتقول مصادر حقوقية إن مديرية مقبنة تعد من أكثر المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية حوادث استهداف المدنيين بالقنص والقصف، نتيجة قرب عدد من القرى من خطوط المواجهات، الأمر الذي تسبب في سقوط ضحايا بصورة متكررة، وأجبر كثيراً من السكان على النزوح أو الحد من تحركاتهم اليومية.
نوصي بقراءة: جيروم مازيت: السعودية باتت محطة مهمة في «دوري المقاتلين»
ويؤكد ناشطون أن استمرار استهداف الطرق والمناطق الزراعية يفاقم معاناة السكان الذين يعتمدون بصورة رئيسية على الزراعة ورعي المواشي، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
سياسياً وعسكرياً، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي مع محافظ البيضاء اللواء ناصر الخضر السوادي تطورات الأوضاع في المحافظة، وسبل التعامل مع التصعيد الحوثي والانتهاكات التي يتعرض لها السكان.
واستمع المحرّمي إلى إحاطة بشأن الأوضاع الإنسانية والميدانية، ومستوى التنسيق بين الوحدات العسكرية والاحتياجات اللازمة لتعزيز قدراتها في الجبهات المحيطة بالمحافظة.
وأكد أن البيضاء تمثل إحدى الجبهات المحورية في معركة استعادة الدولة، داعياً إلى مواصلة رفع مستوى الجاهزية العسكرية وتعزيز التنسيق بين مختلف التشكيلات، والاستفادة مما وصفه بحالة التراجع التي تمر بها الجماعة الحوثية.
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي مجتمعاً مع محافظ البيضاء (سبأ)
كما جدد دعم مجلس القيادة الرئاسي للقوات المرابطة في المحافظة، مؤكداً أن استعادة البيضاء تمثل هدفاً وطنياً ضمن خطة استعادة مؤسسات الدولة في مختلف المحافظات.
من جانبه، أكد محافظ البيضاء استمرار أبناء المحافظة في مساندة القوات المسلحة؛ مشيراً إلى أهمية توفير الدعم اللازم لتعزيز قدرات الوحدات العسكرية العاملة في الجبهات.
وتكتسب البيضاء أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط عدداً من المحافظات، كما تمثل إحدى أهم مناطق التماس بين القوات الحكومية والحوثيين، وهو ما يجعلها محوراً دائماً للتحركات العسكرية.
في تطور حقوقي، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً وثَّقت فيه 3665 انتهاكاً جسيماً، قالت إن الجماعة الحوثية ارتكبتها خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026 في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وأوضح التقرير أن الانتهاكات شملت القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب، والعنف الجنسي، وتفجير المنازل، ونهب الممتلكات، واعتبر أن كثيراً منها يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وحسب التقرير، جرى توثيق 486 حالة قتل خارج القانون، و284 إصابة نتيجة اعتداءات مباشرة، إضافة إلى 18 حالة تفجير منازل، و1974 عملية مداهمة ونهب للمنازل.
كما وثق التقرير 432 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها حالات لنساء وأطفال وكبار سن، في حين تلقت الشبكة 574 بلاغاً من أسر معتقلين تحدثت عن تعرض ذويها للتعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
عناصر حوثيون يؤدون قسم الولاء لزعيمهم خلال حشد تعبوي أقيم بجامعة صنعاء (أ.ف.ب)
وأشار التقرير إلى أن الفريق الميداني وثَّق أيضاً 31421 جريمة جنائية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها 22458 جريمة سرقة، إضافة إلى آلاف حالات نهب الأراضي والاستيلاء عليها.
وتضمن التقرير اتهامات للجماعة باحتكار المشتقات النفطية وإعادة بيعها في السوق السوداء بأسعار مرتفعة، الأمر الذي انعكس -حسب معديه- على تكاليف النقل والإنتاج الزراعي والصيد، وأسهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
كما اتهم الحوثيين بشن حملات اعتقال ضد صحافيين وناشطين، ومصادرة مقرات منظمات مجتمع مدني، وتحويل بعضها إلى مراكز احتجاز، فضلاً عن الاستيلاء على المساعدات الإنسانية عبر كيانات خاضعة لسيطرتهم.
ووفق التقرير، ارتفع معدل الجريمة في مناطق سيطرة الجماعة خلال الفترة المشمولة بالتوثيق بنحو 68 في المائة، مع تصاعد جرائم القتل والسرقة والسطو المسلح، في ظل ما وصفه باستمرار غياب سيادة القانون والإفلات من العقاب.




