أعاد فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان (بطولة مات ديمون وزيندايا)، ملحمة هوميروس إلى صدارة المشهد الثقافي، وأيقظ من جديد الفضول المحيط بتلك الرحلة العاصفة التي حملت أوديسيوس، ملك إيثاكا الأسطوري، من رماد طروادة إلى شواطئ بلاده البعيدة، عبر بحار تضطرب بالعواصف، وجزر تسكنها الكائنات العجيبة، وإغواءات تمتحن صلابة الإنسان وتكشف عمق حنينه إلى وطنه. ومنذ أن تبلورت في القرن الثامن قبل الميلاد، غدت الملحمة أقدم النصوص الأدبية الرفيعة التي نسجت صلة حميمة بين المكان والترحال والذاكرة، وحولت الجغرافيا من خلفية لمسار الرحلة إلى مرآة للتحولات السايكولوجية للبشر، فصار كل ميناء عتبةً في مسار اكتشاف الذات، وكل جزيرة امتحاناً جديداً للهوية والإرادة والقدرة على مصارعة التيه.
توزعت قراءات الأوديسة عبر القرون بين اتجاه ينظر إليها بوصفها بناءً شعرياً صاغته المخيلة الإغريقية، وآخر يعتبرها سجلاً مشفراً لخبرات البحارة في العالم القديم. وبين هذين التصورين تشكل فضاء واسع للبحث، حاول خلاله جغرافيون ومؤرخون ورحالة مطابقة أوصاف هوميروس مع تضاريس السواحل والجزر والمضائق في المتوسط، ليكشف هذا المسعى عن تداخل عميق بين الجغرافيا المادية والخرائط الذهنية التي صنعتها الأساطير في وعي الشعوب القديمة.
ساد التشكيك في القيمة الجغرافية للملحمة خلال العصر الهلنستي، حين رأى الفلكي والجغرافي إراتوستينس، أمين مكتبة الإسكندرية وصاحب أحد أدق الحسابات الأولى لمحيط الأرض، أن البحث عن المواقع التي مرّ بها أوديسيوس يشبه تعقب الإسكافي الذي خاط كيس الرياح هدية إله الرياح أيولوس إلى البطل الإغريقي. ويكشف هذا الموقف عن رؤية تفصل بشكل حاسم الشعر عن القياس الطبوغرافي، وتتعامل مع المكان الهوميري بوصفه عنصراً فنياً يخدم الحكاية ويضاعف قدرتها على الإدهاش دون الحاجة إلى أن يكون له أساس واقعي.
في مقابل هذا التصور، رأى المؤرخ بوليبيوس، الذي عاش بعد هوميروس بنحو ستة قرون، أن الملحمة تحتفظ بنواة واقعية غلّفتها المبالغة الشعرية، مستنداً إلى تشابه أساليب صيد الأسماك الموصوفة قرب مضيق سكيلا مع الممارسات المعروفة على السواحل الصقلية. وواصل الجغرافي سترابو هذا الاتجاه في موسوعته الشهيرة «الجغرافيا»، فجعل معرفة هوميروس بالبحار ثمرةً لروايات الملاحين والتجار الذين تنقلوا بين موانئ المتوسط، وصاغوا تجاربهم مادة تناقلتها الذاكرة الشفهية حتى استقرت في القصيدة.
قد يهمك أيضًا: الصيف الحارق… كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟
بلغ هذا التداخل بين المعرفة والأسطورة إحدى أبرز صوره في خرائط بطليموس خلال القرن الثاني الميلادي، إذ ظهرت فيها مواقع هوميرية متخيلة مثل أرض آكلي اللوتس ومملكة سيرسي وجزيرة السيرينات ضمن العالم الذي تحكمه الإحداثيات الفلكية والمقاييس الرياضية، فتداخلت الأسطورة مع مخزون الخبرة الجغرافية في تشكيل صورة الأسلاف عن العالم.
شهد القرن السادس عشر انتقال الأوديسة من فضاء التحليل الشعري إلى سطح الخرائط المطبوعة، عندما رسم الجغرافي الهولندي أبراهام أورتيليوس مساراً متكاملاً لرحلة أوديسيوس وضمّنه أطلسه الشهير «مسرح العالم». تعامل أورتيليوس مع المواقع الملحمية بوصفها أجزاء قابلة للتمثيل الجغرافي، حتى إن قلة الجزر الواقعة غرب كورفو دفعته إلى ابتكار جزيرة تتلاءم مع الموضع الذي نسبه النص إلى كاليبسو، ثم انتقلت هذه الجزيرة المتخيلة إلى خرائط لاحقة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مكتسبةً حضوراً بصرياً منحها مظهراً أقرب إلى الحقيقة الجغرافية وهي محض خيال.
وفي مطلع القرن العشرين، منح السياسي والباحث الفرنسي فيكتور بيرار هذا المسعى طابعاً ميدانياً، فأبحر سنة 1912 عبر المتوسط متتبعاً المسارات المحتملة لأوديسيوس، ومفترضاً أن الملحمة استفادت من الأدلة الملاحية الفينيقية التي اعتمدت مراقبة النجوم واتجاهات الرياح والتيارات البحرية. وقد قادته رحلاته إلى وضع كاليبسو قرب جبل طارق، وتحديد أرض آكلي اللوتس في جزيرة جربة التونسية، وربط أرض العمالقة بمنطقة بوسيليبو عند خليج نابولي، لتتحول القصيدة في قراءته مدونة بحرية تخفي بين صورها الأسطورية ذاكرة الملاحة المتوسطية القديمة.
بقيت إيثاكا أكثر المواقع إثارةً للجدل، إذ ارتبط اسمها زمناً طويلاً بجزيرة إيثاكي الحالية في البحر الأيوني، بينما يصفها هوميروس بأرض منخفضة تختلف عن التضاريس الجبلية الوعرة للجزيرة الحديثة. وقد دفع هذا التباين باحثين معاصرين من جامعتي كمبردج وأبردين البريطانيتين إلى إعادة فحص النصوص الإغريقية، وصولاً إلى فرضية ترى إيثاكا اسماً لإقليم يقع ضمن جزيرة أوسع، بدلاً من كيان جزري مستقل.
تتجه الأنظار في هذا الاتجاه إلى شبه جزيرة باليكي الواقعة غرب جزيرة كيفالونيا، حيث كشفت الدراسات الجيولوجية والتنقيبات الأثرية عن آثار تعود إلى العصر البرونزي، ما عزز احتمال ارتباط المنطقة بالعالم الذي وصفته الملحمة. ويستخدم الباحثون نماذج التضاريس الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة التحولات الساحلية وحركة التربة والتآكل الذي أعاد تشكيل الجزر والممرات البحرية خلال آلاف السنين، لتلتقي الأبيات الشعرية مع صور الأقمار الاصطناعية والبيانات الجيولوجية في محاولة لإعادة بناء مسرح غمره الزمن.




