قبل أقل من 100 يوم على انتخابات التجديد النصفي، بدأ الرئيس دونالد ترمب جولة هدفها إقناع الأميركيين بأنَّ الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح، وأنَّ أزمة غلاء المعيشة ليست سوى إرث متأخر من عهد جو بايدن.
لكن اختياره ميشيغان لإطلاق هذه الرسالة كشف صعوبة المهمة بقدر ما خدمها: فالولاية المتأرجحة، التي تقوم أجزاء واسعة من اقتصادها على صناعة السيارات والتجارة مع كندا، تشعر مباشرة بتكلفة الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود.
وبين مؤشرات نمو لا تزال متماسكة، وأسر لا تشعر بتحسُّن ميزانياتها، يدخل الجمهوريون معركة نوفمبر (تشرين الثاني) مضطرين إلى الدفاع عن اقتصاد يحمل اسم ترمب، بينما يرى الديمقراطيون في الأسعار المرتفعة أفضل فرصة لانتزاع أغلبيتَي الكونغرس.
في منشأة الاختبارات التابعة لشركة «جنرال موتورز» في ميلفورد، شاهد ترمب سيارات «كورفيت» فاخرة تتسابق قبل أن يؤكد لمؤيديه أنَّ إدارته حقَّقت «أفضل عام» في تاريخ البلاد، وأنَّها قلبت الأوضاع خلال 18 شهراً.
وتقوم سردية البيت الأبيض الاقتصادية، بحسب «نيويورك تايمز»، على المقارنة بين تضخم عهد بايدن، وبين ما يصفه المتحدث باسمه كوش ديساي، بنمو الوظائف والأجور والقطاع الخاص في عهد ترمب. كما يملك الجمهوريون عناصر ملموسة للترويج، بينها تمديد التخفيضات الضريبية، وإعفاءات مرتبطة بالبقشيش والعمل الإضافي، وحسابات استثمارية بقيمة ألف دولار للمواليد.
هذه الرسالة لا تخلو من سند اقتصادي. فالبطالة ما زالت منخفضة، والناتج المحلي يواصل النمو، والإنفاق الاستهلاكي أظهر قدرةً على الصمود. إلا أنَّ الناخب لا يصوِّت على الناتج الإجمالي وحده، بل على فاتورة الوقود والغذاء والسكن. وقد أعاد تصاعد القتال في إيران دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بعدما ظهرت مؤشرات على تباطؤ التضخم في يونيو (حزيران)، فصار أثر الحرب حاضراً عند محطات البنزين، وفي حسابات الاقتراع.
وتكشف الاستطلاعات حجم الفجوة. ففي مسح لـ«سي بي إس نيوز/يوغوف» أُجري بين 22 و24 يوليو (تموز)، وافق 35 في المائة فقط على إدارة ترمب للاقتصاد، مقابل 65 في المائة رفضوها؛ وتراجع دعم إدارته للتضخم إلى 29 في المائة. وأظهر استطلاع لـ«فوكس نيوز» أنَّ 24 في المائة فقط من المستطلعين وصفوا الاقتصاد بأنه جيد أو ممتاز، بتراجع 8 نقاط عن يوليو 2025. لذلك، لا يكفي أن يُكرِّر الرئيس أنَّ الأسعار «لم تتصرف كما ينبغي» وأنه سيخفِّضها؛ فهو يحتاج إلى تفسير مُقنع لموعد وصول المكاسب التي يعد بها إلى الأُسر، بحسب موقع «أكسيوس».
تُمثّل ميشيغان المكان الأصعب لبيع سياسة الرسوم، لأنَّ سلاسل توريد السيارات تعبر الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة، ولأنَّ كندا شريك تجاري بالغ الأهمية للولاية.
قد يهمك أيضًا: ترمب: قاعة الحفلات في البيت الأبيض مضادة للرصاص والمسيرات
ومع إعلان ترمب رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية، تقول «جنرال موتورز» إنَّ تكلفة الرسوم عليها قد تصل إلى 3.5 مليار دولار هذا العام، فيما تُقدّر «فورد» و«ستيلانتس» تكلفتها بأكثر من مليار دولار لكل منهما، وإن كانت أحكام قضائية ستخفف جانباً منها.
ترمب يقدِّم هذه التكلفة على أنَّها «ثمن انتقالي» لاستعادة التصنيع ومنع نقل الوظائف إلى الخارج، وهي حجة تجد صدى لدى مؤيدين يرون أنَّ حماية العامل الأميركي تستحق انتظار النتائج. لكن الديمقراطيين يرُدّون بأنَّ الشركات إما تمتص الرسوم على حساب الاستثمار والتوظيف، وإما تنقلها إلى المستهلك.
وبحسب «واشنطن بوست»، فقد قدَّرت دراسة كُلّفت بها حاكمة ميشيغان، الديمقراطية غريتشن ويتمر، العبء على الأسرة في الولاية بنحو ألف دولار سنوياً. الرقم يحمل بطبيعة الحال سياقاً سياسياً، لكنه ينسجم مع شكاوى أصحاب الأعمال والسكان من الوقود والغذاء والمرافق.
وتزيد حرب إيران الضغط على شعار «أميركا أولاً». فقد قال ترمب إنَّ المفاوضات لإنهاء الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران تجري بطريقة «ودية»، قبل أن يستأنف حملة قصف محدودة ردّاً على الاستهدافات الإيرانية المتواصلة لمصالح أميركية وأهداف مدنية في الخليج. وبينما يحاول الجمهوريون وصف ارتفاع الوقود بأنَّه تكلفة مؤقتة لإضعاف خصم استراتيجي، فإنَّ هذا التبرير يصبح أقل فاعلية عندما يقول حتى مؤيدون للرئيس إنَّ تمويل الحروب في الخارج يبدِّد أرباحهم ويؤجِّل قدرتهم على السكن المستقل.
الأهمية الانتخابية لجولة ترمب تتجاوز خطاباً اقتصادياً. فالانتخابات التمهيدية في ميشيغان مقررة في 4 أغسطس (آب)، وقد أيَّد ترمب النائب الجمهوري جون جيمس لمنصب الحاكم، كما يدعم الجمهوري مايك روجرز في سباق مجلس الشيوخ.
وفي إحدى الدوائر الانتخابية في الولاية، يحاول النائب الجمهوري توم باريت الاحتفاظ بمقعد فاز به بفارق ضئيل عام 2024. ويواجه المرشحون معادلة دقيقة: تأييد ترمب شديد القيمة داخل القاعدة الجمهورية، لكن الارتباط الكامل بسياساته الاقتصادية قد يصبح عبئاً لدى المستقلين في 3 نوفمبر، موعد الانتخابات النصفية.
لهذا، وسَّع الرئيس رسالته إلى ما يتجاوز الاقتصاد. فاتّهم الديمقراطيين بالتَّطرُّف، وزعم أنَّهم يريدون رفع الضرائب و«أخذ منازل» الأميركيين. وفي السياق نفسه، طلبت إدارته من المحكمة العليا السماح بقيود جديدة على التصويت بالبريد، ضمن تحرُّك أوسع يشمل الدفع بقانون «إنقاذ أميركا» وتشديد قواعد الاقتراع قبل انتخابات يتقرَّر فيها مصير المجلسين.
وتملك المعارضة الديمقراطية فرصةً واضحةً، لكنها ليست تفويضاً مفتوحاً. فبحسب مركز «بيو» للأبحاث، يريد 29 في المائة من الأميركيين أن يعطي مرشحو دوائرهم الأولوية للاقتصاد، ويتقدَّم الديمقراطيون بـ6 نقاط في الاقتراع العام للكونغرس. ومع ذلك، ينقسم الجمهور تقريباً حول الحزب الأقرب إليه اقتصادياً: 37 في المائة للديمقراطيين، و36 في المائة للجمهوريين. وهذا يعني أنَّ مهاجمة ترمب وحدها لا تكفي؛ إذ يحتاج الديمقراطيون بدورهم إلى عرض بديل قابل للتصديق لخفض الأسعار.




