لا يعود الحذر الذي طبع ردود الفعل الأميركية وتغطية الصحف لإعلان الرئيس دونالد ترمب، إلى التقليل من أهمية الاختراق المحتمل، بل إلى الفارق الواسع بين إعلان سياسي من واشنطن واتفاق قابل للتنفيذ على الأرض.
فالعناوين الأميركية استخدمت عبارات من قبيل «ترمب يعلن» و«الولايات المتحدة تقول»، وتوقفت عند «الأسئلة التي لا تزال بلا أجوبة»، لأنَّ الطرفين المعنيَّين بالتنفيذ الفعلي؛ إسرائيل و«حماس»، لم يصدرا في الساعات الأولى بيانَين رسميَّين متطابقَين يؤكدان قبولهما الصيغة التي عرضها الرئيس الأميركي.
ورأى معلقون أنه بذلك، يبدو ما أنجزه «مجلس السلام» أقرب إلى «خريطة طريق» وافقت عليها «حماس» عبر الوسطاء، بينما لم تمنحها إسرائيل موافقة نهائية معلنة. أما ترمب فقدَّمها بوصفها «اتفاقاً تاريخياً للنزع الكامل لسلاح حماس وجميع الجماعات المسلحة»، في خطوة يريد تحويلها إلى أبرز إنجازات خطته ذات النقاط الـ20. غير أنَّ اللغة الاحتفالية سبقت حسم معنى نزع السلاح، وترتيب خطوات الانسحاب، والجهات التي ستراقب التنفيذ.
ترمب مستقبلاً نتنياهو بحضور نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بالبيت الأبيض يوم 4 فبراير 2025 (رويترز)
تقع العقدة الأولى في اختلاف تعريف ما جرى الاتفاق عليه. فواشنطن تتحدَّث عن عملية تدريجية تنتهي بتجريد غزة من السلاح، ونقل الحكم والأمن إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، بالتعاون مع قوة دولية وشرطة فلسطينية جديدة. ويُفترَض أن تبدأ العملية بنقل أسلحة شرطة «حماس»، ثم تعطيل الأسلحة الثقيلة والمستودعات، وتدمير الأنفاق ومصانع السلاح، وصولاً إلى جمع الأسلحة الفردية. وفي مقابل كل مرحلة موثقة، تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجياً، على امتداد فترة قد تراوح بين 200 و350 يوماً.
لكن غازي حمد، عضو وفد «حماس» المفاوض، تجنَّب مصطلح «نزع السلاح». وقال إن الحركة وافقت على وضع أسلحتها في مخازن تحت مسؤولية اللجنة الفلسطينية، من دون مشاركة إسرائيلية، وبعد وقف العمليات والاغتيالات الإسرائيلية، وزيادة المساعدات، وانسحاب القوات إلى خطوط اتفاق شرم الشيخ. وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مصدر سياسي إسرائيلي أن إسرائيل لن تنسحب خلف «الخط الأصفر» قبل نزع سلاح «حماس»، وتجريد القطاع عسكرياً.
هذا يعني أنَّ الخلاف القديم بشأن «من يبدأ أولاً» لم يُحل بعد، وإنما جرى تغليفه بآلية يفترض أن تجعل الانسحاب ونزع السلاح متزامنَين وتحت رقابة مستقلة. ولذلك تحدَّث مسؤول في «مجلس السلام» عن تصميم العملية على أساس «انعدام الثقة»، بينما حذَّر الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف من أنَّ قيمة الاتفاق ستُقاس بالتنفيذ والتَّحقُّق لا بالنصوص.
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية – أ.ف.ب)
وتزداد الشكوك بسبب غياب تفاصيل حاسمة: مَن يشارك فعلياً في قوة الاستقرار الدولية، ومتى تنتشر؟ وهل تستطيع حكومة التكنوقراط فرض سلطتها إذا احتفظت «حماس» بنفوذها الإداري والاجتماعي؟ ومن يضمن نزع سلاح الفصائل الأخرى، بما فيها المجموعات والعشائر التي سلحتها إسرائيل خلال الحرب؟
قد يهمك أيضًا: السعودية وكندا… التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية
وتلفت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أنَّ دولاً كانت قد أبدت استعدادها للمساهمة بقوات علقت التزاماتها، رغم قول مسؤول أميركي إن تعهدات بأكثر من 5 آلاف جندي لا تزال قائمة.
لا يمكن فصل مستقبل غزة عن الوقائع المتسارعة في الضفة الغربية. فبينما تطلب واشنطن ودول في المنطقة من الفلسطينيين القبول بقطاع منزوع السلاح، فإنَّ المستوطنات تتوسَّع، ويتصاعد عنف المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وقد أعلنت حكومة نتنياهو أخيراً توسيع البؤر الاستيطانية وشرعنة المزيد منها، بينما قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنَّ 18 فلسطينياً قُتلوا خلال 2026 في حوادث مرتبطة بالمستوطنين، متجاوزين حصيلة العام الماضي كله. كما رصد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من ألف اعتداء تسبب بإصابات أو أضرار حتى 11 يونيو (حزيران) الماضي، بمعدل يقارب 6 اعتداءات يومياً، بحسب محطة «سي بي إس نيوز».
هذه التطورات تغذي الشك الفلسطيني والعربي في نيات إسرائيل: فإذا كان الانسحاب من غزة يترافق مع تثبيت السيطرة على الضفة، فقد يُنظَر إلى الاتفاق بوصفه إعادة توزيع للسيطرة لا مساراً نحو تسوية سياسية. كما أن إضعاف السلطة الفلسطينية واستبعادها من إدارة غزة لمصلحة لجنة تكنوقراط جديدة يطرح سؤال الشرعية والاستمرارية، ويتيح لـ«حماس» تقديم نفسها مجدداً بوصفها القوة المنظمة الوحيدة.
مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)
كما أن أصواتاً فلسطينية كرَّرت اتهام إيران بالسعي إلى إشعال الضفة عبر مجموعات مرتبطة بـ«حماس». وسبق لحركة «فتح» أن اتهمت طهران منذ 2024 بمحاولة نشر الفوضى وتقويض المؤسسات الفلسطينية. وتقول الإدارة الأميركية الآن إن إيران ضغطت على «حماس» لرفض خريطة الطريق، لكن الحركة لم تستجب. ورغم أن ذلك لا يثبت وجود تنسيق بين إيران وإسرائيل، لكن قد تتقاطع مصالحهما في النتيجة: التصعيد المدعوم إيرانياً يضعف السلطة ويمنح إسرائيل مبررات لتوسيع عملياتها، في حين تؤدي السياسات الإسرائيلية إلى إنتاج البيئة التي تستطيع طهران استغلالها.
الموقف الأوضح جاء من الإدارة الأميركية. فقد قال مسؤول أميركي إن ترمب سيكون «محبطاً جداً» إذا عرقلت إسرائيل الخطة، مؤكداً أنَّ واشنطن لا تطلب منها سوى تنفيذ الالتزامات التي وافقت عليها سابقاً، وأنَّها تعتزم التعامل بوصفها «وسيطاً منصفاً» وإلزام الطرفين بالتعهدات. وتكشف هذه اللهجة عن ضغط حقيقي على نتنياهو، على الرغم من أنه لا يزال يصدر عن مسؤولين مجهولين، لا في صورة إنذار رئاسي علني. وكانت تسريبات قد تحدَّثت عن أن ملف غزة كان من بين الملفات التي ناقشها ترمب مع نتنياهو خلال اجتماعهما في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي.
ويواجه نتنياهو انتخابات في أكتوبر (تشرين الأول) وضغطاً من اليمين الرافض لأي انسحاب يبدو مكافأة لـ«حماس».
أما الكونغرس، فلم تتبلور فيه بعد استجابة قيادية واسعة للإعلان نفسه. لكن الانقسام القائم واضح: جمهوريون وديمقراطيون مؤيدون لإسرائيل سيشدِّدون على النزع الكامل والقابل للتحقق، بينما يطالب جناح ديمقراطي متنامٍ بربط الدعم الأميركي بوقف الانتهاكات في غزة والضفة. وكان النائب الديمقراطي، جيمي راسكين، قد دعا في وقت سابق من يوليو (تموز) إلى «إعادة ضبط» العلاقة مع حكومة نتنياهو، منتقداً عنف المستوطنين واستخدام السلاح الأميركي ضد المدنيين. كما سبق أن توقَّع التقييم السنوي للاستخبارات الأميركية أن تقبل «حماس» الحد الأدنى من نزع السلاح مع محاولة الاحتفاظ بنفوذها، وأن تستأنف إسرائيل ضرباتها إذا اعتقدت أن الحركة تماطل.
لهذا تبدو الصحافة الأميركية حذرة: أمامها اختراق دبلوماسي يستحق الاهتمام، لكنه لم يتحوَّل بعد إلى اتفاق بين طرفين، بل إلى اختبار لقدرة ترمب على إلزام «حماس» بالتخلي عن سلاحها، ونتنياهو بالتخلي عن جزء من السيطرة العسكرية. النجاح لن يبدأ من إعلان جديد، وإنما من أول سلاح يوضع تحت الرقابة، وأول انسحاب إسرائيلي يجري في موعده.




