توصلت دراسة نفسية حديثة لباحثين من جامعة «كولورادو أنشوتز» (University of Colorado Anschutz) في الولايات المتحدة، وشملت التدقيق في أكثر من 10 آلاف حالة انتحار بين الشباب، إلى وضع آليات جديدة للتعامل مع المشكلات النفسية للمراهقين، من خلال وضع تصنيف يمكن عن طريقه تحديد المراهقين الأكثر عرضة للإقدام على محاولة الانتحار، وتوفير الدعم النفسي الكافي لهم.
قام الباحثون بتحليل إحصاءات «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية» (CDC)، حول حالات انتحار المراهقين في الفترة بين عامي 2013 و2022، ووجدوا أن ما يقرب من نصف هذه الحالات كان ضمن مجموعات ليس لديها تاريخ سابق من المشكلات النفسية، ولم يسبق لهم التواصل مع الأطباء النفسيين، ما يوضح وجود مراهقين معرضين لخطر الانتحار، من دون معرفة مسبقة من أي شخص محيط بهم.
تصنيف فئات المنتحرين
قامت الدراسة بتحديد فئات المنتحرين، تبعاً لسلوكهم قبل الإقدام الفعلي على الانتحار، حسب إحصائيات «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها»، لكل فئة.
• الفئة التي تعرضت لأزمة: وشملت المراهقين الذين قاموا بتنفيذ الانتحار بعد فترة وجيزة من تعرضهم لأزمة شخصية أو دراسية عنيفة في حياتهم. وهؤلاء الضحايا لم تظهر عليهم -في الأغلب- أي مؤشرات تدل على وجود مشكلات نفسية سابقة، وتمتعوا بصحة نفسية عادية، ولكن تأثروا نفسياً بشدة بعد وقوع حدث جلل لم يستطيعوا التعايش مع تبعاته. ومثالهم المرضى الذين تم إدخالهم إلى المستشفى بعد أول انفصال عاطفي كبير.
• الفئة التي لجأت إلى الإفصاح: معظم المراهقين الذين توفوا من هذه الفئة، في الأغلب قاموا بإخبار شخص ما، في مرحلة معينة، أنهم يفكرون في الإقدام على الانتحار، (حتى لو كان هذا التصريح عن طريق المزاح). وهذه الفئة بالذات، كان من الممكن إنقاذهم من الانتحار إذا تم التعامل معهم بجدية كافية، حتى أن بعض الأفراد منهم كانوا يتناولون بالفعل أدوية نفسية.
• فئة الإناث: عادة ما يكون المنتحرون من المراهقين الذكور. ولكن في العقد الأخير، كانت أغلبية محاولات الانتحار من الإناث، وفي الأغلب من اللواتي تلقين علاجاً نفسياً. وكن أكثر عرضة للوفاة عن طريق استخدام السموم أو الاختناق بالغاز.
• الفئة التي لجئت إلى الإخفاء: معظم هؤلاء المراهقين لم يفصحوا عن حالتهم النفسية، ولم يكونوا في أزمة واضحة على الرغم من معاناتهم النفسية، وأيضاً لم تُظهر تقارير السموم بعد الوفاة معدلات مرتفعة من المواد المخدرة في أجسامهم، ولذلك قام العلماء بإطلاق اسم «المخفيين» على هؤلاء الأطفال، وهذه الفئة تحديداً يجب فهمها بشكل أفضل لأنهم أقلية كبيرة.
وشكلت هذه الفئة (المخفيون) 21 في المائة من المراهقين في الدراسة. ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن نحو نصف المراهقين في جميع الفئات لم يسبق لهم التواصل مع خدمات الصحة النفسية، ولا الإفصاح عن أي حالات في بيانات «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، ما يعني ضرورة بذل مزيد من الجهود لاكتشاف هذه الحالات.
نوصي بقراءة: دماغ الطائر المغرّد… يفسر ألغاز أصوات الموسيقى
• هناك فئة أخيرة تسمى «المراقَبة»: ويمثل هذا التصنيف المراهقين الذين لا تتوفر بيانات كافية لتحديد نمطهم بوضوح. ويستمد هذا التصنيف اسمه من نوع قاعدة بيانات نظام الإبلاغ الوطني عن الوفيات العنيفة (NVDRS).
وأوضح الباحثون أن كل تصنيف من هذه التصنيفات يمثل نمطاً كبيراً، يشمل كثيراً من المراهقين. ومن خلال دراسته يمكن الكشف المبكر عن المراهقين الذين يحتاجون للدعم النفسي بشكل عاجل.
رصد مبكر
وأكدت الدراسة على أن الأفراد الذين يمرون بأزمات نفسية، يتلقون الدعم النفسي من برامج مخصصة لمساعدة المرضى النفسيين؛ حيث توفر هذه البرامج نقاط اتصال فورية أثناء الأزمات، ما يتيح تقديم الدعم في الوقت الفعلي. لذلك ينبغي إعطاء الأولوية لإعلام الآباء ومقدمي الرعاية والأطفال بوجود هذا الدعم المتاح؛ لأن كثيرين لا يعرفون الطريقة التي يمكن بها مساعدة شخص يفكر في الانتحار.
ويُعد الكشف عن حالات الانتحار اتجاهاً حديثاً في طب الأطفال، ولم يُفرَض إجراء فحص الانتحار في المستشفيات إلا في العقد الأخير، بعد انتشار حالات الانتحار بين المراهقين. ومن الواضح أن توسيع نطاق الفحص الشامل ليشمل عدداً أكبر من الأطفال، سوف يساهم في حماية كثير من المراهقين من المشكلات النفسية التي يمكن أن تدفعهم للانتحار.
وقال العلماء إن عامل السن يُعد خطراً أساسياً يجب الاهتمام به أثناء تقديم الدعم النفسي، بمعنى أن عدم القدرة على تنظيم المشاعر والاندفاعية في المراهقين تختلف عن البالغين، لذلك يجب الوضع في الحسبان أن الأفراد لا يصلون إلى النضج الكامل إلا في منتصف العشرينات على وجه التقريب؛ حيث يرتبط هذا الأمر ارتباطاً وثيقاً بالتطور النفسي.
وتشمل تحديات السن أيضاً التعامل مع العلاقات المختلفة في وقت مبكر من الحياة، مثل الصداقة والحب، وتكوين الهوية، ما يُؤدي إلى ضغوط نفسية عنيفة تسبب اليأس والقلق بشأن المستقبل، وحدوث اضطراب نفسي، وللأسف أصبحت الحالات المتكررة للانتحار تمثل نوعاً من العدوى بين الأطفال؛ خصوصاً في وجود حالات بين أقرانهم أو زملائهم في الدراسة.
وأوصت الدراسة بضرورة تحديد الأشخاص المعرَّضين للخطر من خلال البيانات الطبية العادية؛ لأنه أمر في منتهى الأهمية. وعلى سبيل المثال، قد تزيد بعض أنواع اضطرابات النوم من احتمالية ظهور أفكار وسلوكيات انتحارية. ويستمر هذا الارتفاع في الخطر سنوات، ولذلك يمكن رصد هذه الحالات وتوفير الدعم النفسي لها.
* استشاري طب الأطفال




