يحتدم تنافس كبير بين التشكيلات الحزبية الجزائرية على اختيار رئيس جديد للبرلمان قبيل افتتاح عهدته المقبلة، الثلاثاء، في حين أطلق حزب «حركة البناء الوطني»، من الأغلبية الرئاسية، «مبادرة وطنية» للبحث عن حل للعزوف الانتخابي الذي اتسم به الاقتراع الأخير والمرجح أن يتكرر في استحقاقات البلديات المقررة قبل نهاية العام.
وتفتتح الجلسة المخصصة لتنصيب العهدة التشريعية الجديدة لـ«المجلس الشعبي الوطني»، في حين حُسم اسم مرشح الأغلبية من طرف رئاسة الجمهورية.
وفي أروقة المجلس، يتردد اسما نائبين عن حزب «جبهة التحرير الوطني»، صاحب النصيب الأعلى من الأصوات في الانتخابات، وهما الوالي السابق عطا الله مولاتي، والأستاذ الجامعي إسماعيل دبش؛ بينما تحافظ «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة على خطها السياسي بتقديم ترشيح أمين علوش، رئيس بلدية وهران، كبرى مدن الغرب الجزائري.
عطا الله مولاتي المرشح الأوفر حظاً لرئاسة البرلمان الجزائري (حسابه الخاص)
ويمثل انتخاب رئيس «المجلس الشعبي الوطني»، وفق الأعراف السياسية في الجزائر، أول موعد سياسي حقيقي لغرف التشريع، كما تُخصص جلسة الثلاثاء لتنصيب النواب الجدد، وانتخاب أعضاء مكتب المجلس في الوقت نفسه مع رئيسه.
ووفقاً لأحكام الدستور، يترأس الجلسة الأولى أكبر النواب سناً بمساعدة أصغر نائبين.
وتكثفت المشاورات بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات للتوصل إلى توافق حول اسم رئيس المجلس المقبِل، الذي يُعدّ الشخصية الرابعة في الهرم البروتوكولي للدولة.
ويُعزز قرار تقديم موعد تنصيب النواب الجدد، قبل 5 أيام من انقضاء المهلة الدستورية – وهي 15 يوماً وفق المادة 133 من الدستور – الأنباء التي تؤكد وصول النقاشات السياسية إلى مراحل حاسمة.
وتفيد مصادر حزبية بأن تشكيلات الأغلبية الداعمة لبرنامج رئيس الجمهورية تتجه للالتفاف حول مرشح موحد. وفي هذه المرحلة، لا يعتزم أي من «التجمع الوطني الديمقراطي»، أو «حركة البناء الوطني»، أو «جبهة المستقبل»، تقديم مرشح لرئاسة المجلس، بحسب المصادر نفسها. كما لم تُعطِ «جبهة التحرير الوطني» الطابع الرسمي لأي ترشيح، رغم اتفاق عدة مصادر على أن خليفة إبراهيم بوغالي في رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان، سيكون مطروحاً.
إبراهيم بوغالي رئيس البرلمان المنتهية ولايته (البرلمان)
ومع انتظار التحكيم النهائي داخل الأغلبية الرئاسية، تُبدي مختلف التشكيلات قدراً من التحفظ. وعلى العكس من ذلك، تظل «حركة مجتمع السلم» القوة السياسية الوحيدة التي أعلنت رسمياً عن نيتها المنافسة على رئاسة المجلس، بتقديم ترشيح أمين علوش.
أمين علوش مرشح حركة «مجتمع السلم» لرئاسة البرلمان (حسابه الخاص)
تصفح أيضًا: أحمد عبد الجواد: تعديلات النواب حولت قانون جهاز مستقبل مصر لإطار تشريعي متوازن
وفي كواليس مبنى البرلمان، يبدو عطا الله مولاتي، الوالي السابق لولاية الشلف بغرب البلاد الأوفر حظاً للفوز بالمنصب. وتُمثّل خبرته في الإدارة العليا، وحسه الإداري، فضلاً عن مساره داخل الإدارة الإقليمية، أوراقاً رابحة لصالح ترشيحه. وبوصفه يتحدر من ولاية تقرت بجنوب البلاد، فقد يستجيب للبحث عن التوازن في توزيع المسؤوليات العليا في الدولة.
أما إسماعيل دبش، الأكاديمي والنائب هو الآخر عن «جبهة التحرير»، فلا يزال يُذكر ضمن الشخصيات المرشحة للمنافسة على الرئاسة.
إسماعيل دبش من حزب «جبهة التحرير الوطني» مرشح لرئاسة البرلمان (حسابه الخاص)
وبالموازاة مع ذلك، أوشكت تحضيرات الجلسة الافتتاحية على الانتهاء، حيث تلقى النواب الجدد رسائل من إدارة «المجلس الشعبي الوطني» تُفصّل الإجراءات الواجب إتمامها قبل تنصيبهم، لا سيما تأكيد تسجيلهم على المنصة الرقمية المخصصة لهذا الغرض.
وأنهت مصالح المجلس الترتيبات المتعلقة باستقبال ونقل وإقامة نواب مختلف الولايات.
ويُشار إلى أن انتخاب رئيس «المجلس الشعبي الوطني» سيعقبه انتخاب نواب الرئيس وأعضاء المكتب، قبل تنصيب اللجان الدائمة.
ومن شأن هذا المسار المؤسساتي أن يمهد الطريق لاستحقاق سياسي بارز آخر، يتمثل في تشكيل حكومة جديدة، كما قد يحتفظ رئيس الدولة بالطاقم الحالي بقيادة الوزير الأول سيفي غريب.
وفي سياق الزخم الذي أحدثته الانتخابات البرلمانية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز)، كشف رئيس حركة «البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة خلال اجتماع بنواب حزبه الجدد، السبت بالعاصمة، عن إطلاق مبادرة سياسية و«نداء وطني مفتوح» تحت عنوان: «المبادرة الوطنية لتوسيع المشاركة وإنهاء العزوف الانتخابي»، بهدف محاربة ظاهرة عزوف المواطنين عن الإدلاء بالأصوات، في سياق مقاطعة كبيرة شهدها الاستحقاق التشريعي، إذ بلغت نسبة التصويت 21 في المائة، وهي الأضعف في تاريخ العمليات الانتخابية التي نظمتها البلاد.
رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة (إعلام حزبي)
وأوضح بن قرينة في كلمة قرأها أمام الصحافيين أن المتابع للشأن السياسي «يدرك حجم المخاطر التي هددت -ولا تزال- التجربة الديمقراطية في الجزائر، وفي مقدمتها التراجع المستمر في مشاركة المواطنين عبر صناديق الاقتراع».
وأكد رئيس الحركة «الانفتاح الكامل على مقترحات مختلف الشركاء»، وأضاف: «نحن متفتحون على أي عنوان يقترحه أي طرف أو حزب، ونسعى لصياغة محاور المبادرة بشكل جماعي دون نية في التصدر أو الاحتكار؛ فنحن جنود لمن يقودها، شريطة ألا تكون إقصائية».
وشدد بن قرينة على أن معالجة العزوف الانتخابي «يجب أن تتصدر أولويات الطبقة السياسية، ووسائل الإعلام، والنخب، والجهاز التنفيذي، والسلطة المستقلة للانتخابات»، محذراً من «الاستسلام لهذه الظاهرة التي تمس بمكتسبات الديمقراطية»، أو «التنصل من المسؤولية وإلقائها على الآخرين».




