دخل السباق على خلافة أنطونيو غوتيريش في منصب الأمين العام للأمم المتحدة مرحلته الأكثر حساسية، مع انتقال المنافسة من المناظرات العلنية وبيانات الرؤى الإصلاحية إلى الغرف المغلقة في مجلس الأمن، حيث لا تحسم الكفاءة وحدها هوية الدبلوماسي الأول في العالم، وإنما شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية، وحسابات القوى الكبرى، والجنسية، والقدرة على تجنب «فيتو» أي من الدول الخمس الدائمة العضوية.
وتتجه الأنظار إلى أول اقتراع سري في مجلس الأمن يوم الخميس 30 يوليو (تموز) بعد أن اتسعت قائمة المنافسين إلى سبعة، حيث أعلنت أوغندا، يوم الأحد، ترشيح الدبلوماسي المخضرم وزير خارجيتها السابق، أولارا أوتونو (75 عاماً)، وهو أيضاً وكيل أمين عام سابق للأمم المتحدة شغل منصب الممثل الخاص المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة.
ويأتي دخوله المتأخر بعد أيام من المناظرة العلنية في الجمعية العامة للمرشحين الستة الآخرين، التي تُعد الأخيرة قبل بدء الاختبار الحقيقي داخل مجلس الأمن، لكن المناظرة، التي استمرت 90 دقيقة في قاعة الجمعية العامة، مساء الخميس، وصفها مراقبون بأنها كانت مواجهة «بالقفازات البيضاء»، حيث لم تسفر عن فائز واضح، لكنها كشفت اختلافاً في مقاربات المرشحين لأزمة مؤسسة تواجه حروباً متزامنة، وانقسامات بين القوى الكبرى، وأزمة مالية، وأسئلة متزايدة حول فاعليتها.
المرشحون الخمسة الذي تنافسوا خلال المناظرة على منصب الأمين العام للأمم المتحدة (أرشيف)
ويبرز بين المتنافسين اسم رافاييل غروسي (65 عاماً)، الدبلوماسي الأرجنتيني والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي اكتسب حضوراً دولياً كبيراً خلال أزمات الملف النووي الإيراني والحرب في أوكرانيا، وتمنحه خبرته في التعامل المباشر مع واشنطن وموسكو وبكين والعواصم الأوروبية ثقلاً سياسياً، لكنها قد تمثل أيضاً نقطة ضعف؛ لأن الأمين العام يحتاج، قبل كل شيء، إلى تجنب اعتراض أي من الدول الخمس الكبرى.
وتنافسه الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه (74 عاماً)، التي شغلت أيضاً منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. وتحظى باشليه بدعم مشترك من تشيلي والبرازيل والمكسيك؛ ما يمنح ترشيحها ثقلاً إقليمياً مهماً. وخلال المناظرة الأخيرة، شددت على ضرورة استقلال الأمين العام وامتلاكه «سلطة أخلاقية» في التعامل مع الأزمات، بما فيها غزة.
ويتمتع الاثنان بميزتين تدخلان بقوة في حسابات السباق: الأولى أن هناك عرفاً غير مكتوب يرى أن الدور الجغرافي يميل هذه المرة إلى أميركا اللاتينية ودول الكاريبي. والثانية أن ضغوطاً متزايدة داخل المنظمة وخارجها تدعو إلى اختيار أول امرأة تقود الأمم المتحدة منذ تأسيسها قبل أكثر من 8 عقود.
إحدى جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة (رويترز)
ولهذا تبدو المنافسة النسائية قوية بصورة غير مسبوقة، فإلى جانب باشليه، تخوض السباق أيضاً ريبيكا غرينسبان (70 عاماً)، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، والأمينة العامة الحالية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، التي تقدم نفسها بوصفها مرشحة إصلاحية وبراغماتية قادرة على إدارة أزمة الأمم المتحدة المالية.
وتنافس أيضاً وزيرة خارجية الإكوادور السابقة، ورئيسة الجمعية العامة السابقة، ماريا فرناندا إسبينوزا (61 عاماً)، التي أشارت خلال المناظرة، يوم الخميس، إلى أن الأمم المتحدة تمر بلحظة وجودية تتطلب قيادة تعيد للمؤسسة صدقيتها وفاعليتها، وتقترح تقليص المستويات القيادية وإنشاء آلية للإنذار المبكر بالأزمات.
قد يهمك أيضًا: ترمب ينتقد كندا بسبب الحرائق ويقول إن الكلفة ستضاف إلى رسومها الجمركية
أما المرشحة الرابعة فهي الدبلوماسية الغويانية، كارولين رودريغز بيركيت (52 عاماً)، وزيرة الخارجية السابقة، والمندوبة الدائمة الحالية لبلادها لدى الأمم المتحدة، التي تركز حملتها على جعل المنظمة أكثر مرونة وفاعلية، مع الدفاع عن التعددية بوصفها «مسؤولية جماعية»، وهي أصغر المرشحين سناً، لهذا المنصب.
وفي مقابل الكتلة اللاتينية، يطرح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال (64 عاماً) نفسه بوصفه المرشح الأفريقي الأبرز. واكتسب ترشيحه زخماً إضافياً بعدما أعلن الرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، دعمه رسمياً رغم الخصومة السياسية العميقة بين الرجلين، وقدمته دكار تحت شعار «ترشيح السنغال في خدمة أفريقيا». وكان سال قد رُشح أساساً من بوروندي التي تتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي في دورته الحالية.
وعلى خلاف الانطباع الذي قد تتركه المناظرات العلنية، فإن الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة لا تختار الأمين العام بحُرية من بين المرشحين؛ إذ تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الجمعية العامة تعيّن الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. وهنا تكمن القوة الحقيقية للدول الخمس الدائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا. ويبدأ مجلس الأمن عادة سلسلة من الاقتراعات السرية غير الرسمية، أو ما يُعرف بـ straw polls، لقياس قوة كل مرشح. ومن المقرر إجراء أول هذه الاختبارات في 30 يوليو (تموز) الحالي.
ومع تقدم الجولات، لا تتضح أعداد المؤيدين والمعارضين فحسب، بل أيضاً ما إذا كان المرشح يواجه اعتراضاً من دولة دائمة العضوية. وفي النهاية، يحتاج القرار داخل مجلس الأمن إلى 9 أصوات على الأقل من أعضائه الـ 15، من دون «فيتو» من أي من الدول الخمس دائمة العضوية. وبعدها تنتقل التوصية إلى الجمعية العامة للتعيين الرسمي.
اجتماع سابق لمجلس الأمن في نيويورك (المجلس)
ولهذا فإن المرشح الأقوى نظرياً قد لا يكون هو الفائز الحقيقي بالمنصب، فتاريخ الهيئة الأممية مليء بمرشحين اصطدمت طموحاتهم باعتراض إحدى الدول الخمس. والتحدي هذه المرة أكبر بسبب التوتر بين واشنطن وموسكو وبكين، والحروب والانقسامات التي شلت مجلس الأمن في ملفات عدة.
ويحتاج المنصب حالياً إلى شخصية تستطيع الولايات المتحدة التعايش معها، بينما لا تعدها روسيا خصماً، ولا ترى فيها الصين تهديداً لمصالحها، وتحظى في الوقت نفسه بقبول فرنسي وبريطاني.
ويضيف موقف إدارة الرئيس دونالد ترمب قدراً آخر من عدم اليقين، فقد ظهرت تقارير في الأيام الأخيرة تقول إن ترمب يفضل رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الـ«فيفا»، جياني إنفانتينو، للمنصب، رغم أنه ليس ضمن قائمة المرشحين الرسمية حتى الآن.
وبينما تبدو المناظرات والسير الذاتية والرؤى الإصلاحية واجهة السباق، تبدأ، الخميس المقبل، عملية مختلفة تماماً خلف أبواب مجلس الأمن المغلقة.
فهناك قد يتضح ما إذا كانت الأمم المتحدة ستختار للمرة الأولى امرأة، وتحافظ على عرف التنوع الجغرافي، الذي يرجح هذه المرة أميركا اللاتينية، أم أن الحسابات الجيوسياسية ستدفع نحو مفاجأة أفريقية، فالقاعدة غير المكتوبة في سباقات الأمم المتحدة تؤكد أن الفائز ليس بالضرورة المرشح الذي يجمع أكبر عدد من المؤيدين في البداية، بل من يستطيع الوصول إلى النهاية بأقل عدد من الأعداء، خصوصاً بين الدول الخمس التي تملك حق النقض (الفيتو).




