لم يعد هاجس أبناء قرى جنوب لبنان يقتصر على إعادة إعمار منازلهم التي دمرتها الحرب، بل بات أكثر ما يقلقهم هو مستقبلهم ومستقبل أولادهم المجهول.
فمع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من المناطق، ومنع العودة إلى بعضها، وتدمير معظمها، يعيش آلاف الجنوبيين حالة غير مسبوقة من الضياع والارتباك؛ بين مَن لا يزال نازحاً، ومن عاد إلى منزل مدمر جزئياً، ومن فقدَ كل ما ادخره طيلة سنوات الاغتراب.
ويبقى القاسم المشترك بين معظم العائلات هو العجز عن اتخاذ أي قرار؛ سواء أكان لجهة السكن، أم العمل، أم تعليم الأولاد، في ظل الخوف الدائم من أن تعود الحرب في أي لحظة، وبالتالي العودة مجدداً إلى نقطة الصفر.
فاطمة، وهي سيدة جنوبية مغتربة، تختصر حجم الخسارة المادية والمعنوية، وتقول إنها صبرت سنوات طويلة بعيداً عن لبنان وأهلها لتتمكن من بناء منزل بقريتها في بنت جبيل، وكانت تعد الأيام كل عام لتقضي الصيف فيه مع أولادها، وتجلس تحت الشجرة التي زرعتها بيديها، «لكن هذا الحلم؛ انتهى مع الحرب بعد تدمير بيتي».
وتضيف: «لم تعد لديّ رغبة في المجيء إلى لبنان؛ لأنني على يقين أن إعادة بناء المنزل أصبحت شبه مستحيلة، وربما أصبح حلمي اليوم أن أتمكن من بناء غرفة صغيرة فقط في قريتي».
تزيل آليات ثقيلة أنقاض مبنى ببلدة صريفا جنوب لبنان عقب انتشار الجيش فيها (أ.ف.ب)
ولا يختلف وضع مريم؛ التي تؤكد أنها لن تعيد استثمار أموالها في لبنان بعد اليوم، بعدما خسرت كل ما جمعته خلال سنوات لبناء منزلها في الجنوب. وتقول: «من الآن فصاعداً سأجمع أموالي لمستقبل أولادي، وكل عام سأختار السفر إلى بلد جديد بدلاً من أن يضيع تعبي وتعب زوجي مرة أخرى».
أما أم حسن، وهي من السيدات اللاتي لا يزلن نازحات بعد تدمير قريتها، فتصف حياتها بأنها «حالة ضياع كاملة». فلا قدرة لديها على استئجار منزل في بيروت بسبب ارتفاع الإيجارات، في حين باتت قريتها مدمرة. ويزداد قلقها مع اقتراب العام الدراسي، إذ تقول إنها لا تعرف أين ستسجل أولادها، وتأمل فقط أن تتضح الصورة مع بداية شهر أغسطس (آب) المقبل لتقرر ما إذا كانت ستستأجر منزلاً في إحدى قرى الجنوب حيث الإيجارات أقل والأقساط المدرسية مقبولة.
قد يهمك أيضًا: الاستخبارات الأميركية تستبعد تأثير الغارات على موقف طهران
مواطن ينقل مقتنيات من منزله الذي تضرر جراء غارة جوية إسرائيلية خلال الحرب مع «حزب الله» في قرية الغندورية بجنوب لبنان (أ.ب)
وتعبر مروى، التي خسرت منزلها في كفرتبنيت، عن معاناتها التي تتشابه مع كثير من عائلات الجنوب، قائلة: «الناس تشردت»، وقد صرفت كل مدخراتها على الإيجارات والمصاريف بعد خسارة المنازل والأعمال. وتضيف بمرارة أنه لا يوجد أحد يسأل عنهم؛ «لا الدولة، ولا (حزب الله)، ولا (حركة أمل)»، مشيرة إلى أن القلق يمنعها من النوم، خصوصاً أنها تخشى استئجار منزل في النبطية أو محيطها ثم تجد نفسها مجدداً نازحة إذا اندلعت الحرب مرة أخرى.
وتتساءل مروى: «لماذا أطلقت الصواريخ الست؟ وماذا كانت النتيجة سوى أننا عدنا 20 عاماً إلى الوراء وخسرنا آلاف الشباب وبيوتنا وأرضنا؟».
ولا تبدو حال الذين عادوا إلى قراهم أفضل بكثير. فسناء التي عادت إلى النبطية، تقول إنهم يعيشون «كل يوم بيومه» بعدما توقفت الأعمال وتعذر ترميم المنزل.
وتضيف: «حتى من يملك المال، فإنه يتردد في إنفاقه خوفاً من حرب جديدة». وتوضح أنهم اكتفوا بوضع «النايلون» مكان النوافذ المحطمة، وأنهم يعيشون في غرفة واحدة مع المطبخ والحمام، «في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع».
وتلفت إلى أن الأهالي غير قادرين على اتخاذ قرار بشأن مدارس أبنائهم؛ لأنهم لا يعلمون أين سيكونون في الأشهر المقبلة، وتقول بحسرة: «تُركنا لمصيرنا، ولا أحد يسأل عنا، لكننا لا نفقد الأمل، ونقول دائماً إن الفرج قريب».
أحد السكان يعمل داخل متجره الذي تعرض لأضرار جسيمة جراء غارة جوية إسرائيلية خلال الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في قرية الغندورية بجنوب لبنان (أ.ب)
أما زينب، من النبطية الفوقا، فتختصر شعور كثيرين بقولها: «كلنا نعيش في ضياع كامل، ولا أحد يصارحنا بما يجري».
وترى أن المطلوب من «حزب الله» و«حركة أمل» أن يوضحا للناس حقيقة المرحلة المقبلة، وأن يقولا لهم إلى أين تتجه الأمور؛ لأن الأهالي، وفق تعبيرها، «يستحقون أن يعرفوا الحقيقة ليقرروا كيف سيعيشون مع أولادهم».




