الرئيسيةالاخبار العاجلةالجزائر تتخذ خطوة جديدة لتقليص النفوذ اللغوي الفرنسي

الجزائر تتخذ خطوة جديدة لتقليص النفوذ اللغوي الفرنسي

أعلنت الجزائر رسمياً وقف تدريس اللغة الفرنسية في السنة الثالثة الابتدائية، في خطوة تعكس توجهاً سياسياً بدأ بوصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم قبل 6 سنوات، وشهد تسارعاً في تفعيله مع اندلاع «أزمة اعتراف فرنسا بخطة الحكم الذاتي المغربي للصحراء» في صيف 2024.

في خطوة تعزز توجه الجزائر نحو تهميش اللغة الفرنسية لحساب الإنجليزية، كشف وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، اليوم السبت، بالعاصمة، عن تدابير بيداغوجية جديدة تُستبعد من خلالها الفرنسية كلياً من منهج السنة الثالثة ابتدائي لصالح الإنجليزية، ابتداءً من الدخول المدرسي 2026 – 2027، على أن يُرجأ تدريسها إلى السنة الرابعة.

أستاذة تدريس الإنجليزية في إحدى المدارس العمومية الجزائرية (أ.ف.ب)

وكان سعداوي يتحدث بمناسبة «مؤتمر الدخول المدرسي» الذي يعقد سنوياً، ويجمع مسؤولي قطاع التعليم وخبراء المناهج الدراسية.

وتعد هذه الخطوة، بحسب مراقبين سياسيين، ضربة جديدة لنفوذ اللغة الفرنسية في قطاع التعليم، وتندرج ضمن رؤية حكومية لتعزيز الحجم الساعي للغة الإنجليزية وتوسيع حضورها، لا سيما في الشعب والتخصصات التقنية.

كما تشمل الترتيبات الجديدة إعادة هيكلة المواد الدراسية، ورفع حصة الأعمال التطبيقية في الأقسام النهائية، وفق ما أكده الوزير، الذي أوضح أن تفاصيل تنفيذ الإجراءات الجديدة «ستُحدد عبر منشور رسمي خلال الأيام القليلة المقبلة»، مبرزاً أن قطاع التعليم «يسعى للبناء على ما تحقق من مكاسب»، وتعهد بـ«مواصلة التحديث تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد المجيد تبون بخصوص تطوير قطاع التربية».

على منصات التواصل الاجتماعي، قُوبل القرار بمزيجٍ من الإشادة والانتقاد؛ حيث علّق أحد الناشطين مرحباً: «خبر سار للغاية، أتمنى أن تحذو بقية الدول حذونا… فالفرنسية لم تعد تجدي نفعاً». وكتب آخر مستبشراً: «الجزائر في أمان الآن!»، فيما علق ناشط قائلاً: «بعد تفكيرٍ عميق، اكتشف مسؤولونا السبيل الأمثل للنهوض بالبلاد».

وبدأ مسار «إزاحة الفرنسية» منذ الدخول المدرسي 2022، حينما أكدت الحكومة أنها تبحث تدريس اللغة الإنجليزية بدءاً من الطور الابتدائي؛ حيث تم حسم التنافس بينها وبين الفرنسية لصالح إبعاد «لغة المستعمر»، في وقت تسارعت فيه عمليات «التطهير اللغوي» في الإدارات والمؤسسات الرسمية منذ عدة سنوات، لكن دون أن تتمكن بعض الوزارات من التخلص نهائياً من لغة موليير في مراسلاتها، خاصة الداخلية، ومنها وزارات الطاقة والأشغال العامة والصناعة، وأيضاً شركات كبيرة مثل «سوناطراك» للنفط والغاز، و«كوسيدار» للبناء والمنشآت الفنية.

وزير التربية خلال فترة امتحانات التعليم المتوسط في مايو الماضي (الوزارة)

نوصي بقراءة: وفد من المستشفى الميداني الأردني نابلس/11 يزور مقبرة شهداء الجيش العربي في نابلس

ورغم إرادة سياسية معلنة للتخلي عنها منذ سنوات طويلة، ظلت الإنجليزية مقررة في المناهج الدراسية ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، غير أن شح المعلمين المؤهلين لهذه المهمة أدى إلى تغييبها تدريجياً من الجداول الزمنية.

وتُعيد هذه التدابير الجديدة إذكاء النقاش حول المسألة اللغوية في بلدٍ تُثير فيه مكانة اللغة الفرنسية سجالات واسعة، وكثيراً ما كانت محور صراع فكري وسياسي بين العروبيين والمفرنسين، انطلق في الجامعة في ثمانينات القرن الماضي. ففي الوقت الذي أظهرت فيه دراسة أُجريت عام 2008 أن ثلث الجزائريين يجيدون قراءة الفرنسية والتحدث بها وكتابتها، شنت حكومة الرئيس عبد المجيد تبون خلال السنوات الأخيرة هجوماً ضد هذه اللغة في قطاعي التعليم والإدارة.

وضمن هذا التوجه، أصدرت وزارتا التكوين المهني والشباب والرياضة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 تعليماتٍ بالاعتماد «الحصري» للغة العربية في وثائقهما ومراسلاتهما الرسمية، وأدى هذا التوجه نحو التعريب إلى تراجع استخدام اللغة الفرنسية في الفضاء العام وداخل المجتمع، بدءاً من الواجهات التجارية والمواد الإعلانية، وصولاً إلى وسائل الإعلام.

كان الرئيس عبد المجيد تبون قد وصف الفرنسية، في كلمة ألقاها صيف 2022، بأنها «غنيمة حرب»، بخلاف الإنجليزية التي عدها «لغة عالمية تستجيب لمتطلبات العصر». وبعد أشهر قليلة، تقرر إدراج تدريس الإنجليزية في المدارس الابتدائية الجزائرية، رغم تحفظات بعض النقابات والشخصيات السياسية؛ في خطوة عُدّت تحدياً جديداً لباريس، في ظل مسلسل التوترات والمطبات المتلاحقة التي تطبع العلاقات بين البلدين.

وزير الاتصال السابق محمد لعقاب (الوزارة)

وفي أكتوبر 2023، أعلن وزير الاتصال السابق، محمد لعقاب، منع المدارس الخاصة في البلاد من تدريس المنهاج الفرنسي، وقال في تصريحات مثيرة: «باغتّم الدولة بتدريس المنهاج الفرنسي، والآن تباغتكم الدولة لتسترجع هيبتها وتفرض تطبيق القانون»، متسائلاً: «هل يسمح لنا في بلدان أجنبية بتدريس البرامج التعليمية الجزائرية دون اتفاقات؟».

ورأت فرنسا في سلسلة التدابير الجديدة، حسب سفيرها السابق لدى الجزائر جزافييه دريانكور، خياراً يعكس «رغبة في تقليص النفوذ الفرنسي، مقابل الانفتاح على توجهات لغوية وجيوسياسية جديدة».

وبالنسبة للجزائر، تمثل هذه الخطوات المتسارعة، رداً على تصريحات سياسيين من اليمين واليمين المتطرف في فرنسا، الذين يطالبون منذ عدة سنوات بتعليق المساعدات الفرنسية للتنمية الموجهة للجزائر.

سفير فرنسا بالجزائر السابق جزافييه دريانكور (حسابه الخاص)

وكانت سارة كنافو، النائبة الأوروبية عن حزب «الاسترداد» اليميني، بزعامة إريك زمور، قد صرّحت العام الماضي، بأن فرنسا تمنح الجزائر 800 مليون يورو سنوياً على شكل مساعدات، وهو الرقم الذي فنّدته عدة مصادر رسمية فرنسية. ورفعت سفارة الجزائر بفرنسا دعوى قضائية ضد كنافو احتجاجاً على ما وصفته بـ«أرقام كاذبة ومضللة»، غير أن القضاء قرر عدم قبولها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt