يدخل ملف تعويض المتضررين من الحرب الإسرائيلية الأخيرة مرحلة جمود، في ظل غياب أي آلية تنفيذية لصرف التعويضات، سواء من جانب الدولة اللبنانية أو «حزب الله». وبينما تتواصل عمليات مسح الأضرار في عدد من المناطق، لا يزال آلاف المتضررين ينتظرون أي إعلان رسمي يحدد موعد بدء التعويضات أو آلية تنفيذها، في وقت تتحدث مصادر مطلعة عن استمرار المراجعات داخل بيئة «حزب الله»، الذي لم يبادر حتى إلى مسح الأضرار، مقابل تأكيد الدولة أنها لا تملك الإمكانات المالية اللازمة لإطلاق هذا المسار.
وتشير مصادر من الضاحية الجنوبية لبيروت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «حزب الله» لم يبدأ حتى الآن بصرف التعويضات المالية للمتضررين من الحرب الأخيرة، ما يعني بقاء الملف خارج مرحلة التنفيذ، بانتظار استكمال الإجراءات الداخلية المرتبطة به.
وتؤكد المصادر أن «آلية التعويض لا تزال قيد الدرس داخل الجهات المختصة في الحزب، حيث تُراجع الملفات وتُستكمل عمليات التدقيق من دون اتخاذ قرار بإطلاق عملية الدفع.
سكان من الضاحية الجنوبية لبيروت يعبرون قرب مبانٍ مدمَّرة بغارات إسرائيلية (رويترز)
ويؤكد متضررون أن الواقع الميداني لا يعكس حتى الآن أي مؤشرات إلى قرب فتح ملف التعويضات. وقال مصدر محلي من الضاحية الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، فضّل عدم الكشف عن هويته، إن «ملف التعويضات عن الأضرار التي خلّفتها الحرب لا يزال عملياً في حالة جمود»، مؤكداً أنه لم يتلقَّ حتى الآن أي تعويض أو بدل إيواء، رغم أن منزله في حارة حريك تعرّض لدمار جزئي خلال الحرب الأخيرة.
وأضاف أن الوضع نفسه ينطبق على منزله الآخر في إحدى بلدات قضاء النبطية في جنوب لبنان، والذي تضرر أيضاً من جراء الحرب، من دون أن يحصل حتى الآن على أي تعويض أو مساعدة مالية. وأوضح أن «بعض البلديات أجرت كشوفاً أولية للأضرار بهدف توثيقها والتحضير لأي مرحلة لاحقة، إلا أن ذلك لم يترافق مع أي آلية تعويض أو مسح من جانب «حزب الله»، خلافاً لما جرى بعد حرب عام 2024.
وأشار إلى أن «كثيرين في المنطقة يتعاملون مع الواقع على أساس أن الحرب لم تنتهِ فعلياً، ما يجعل ملف التعويضات مؤجلاً، في ظل غياب أي معلومات واضحة لدى الأهالي بشأن موعد إطلاق التعويضات أو الآلية التي ستُعتمد لتنفيذها».
اقرأ ايضا: «عهد الإدارتين» يُخيّم على كردستان العراق
وترى أستاذة علم النفس الاجتماعي الدكتورة منى فياض أن تأخر «حزب الله» في دفع التعويضات يعكس أزمة مالية أعمق من مجرد تأخير إداري. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تأخر (حزب الله) في دفع التعويضات للمتضررين لا يعود إلى اعتبارات تنظيمية أو إدارية، بل يعكس ضائقة مالية متزايدة فرضتها المتغيرات الإقليمية والضغوط التي يتعرض لها»، عادّةً أن «الحزب بات مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته المالية في ظل تراجع مصادر دعمه». وأضافت: «الحزب لا يزال يواصل دفع الرواتب وتقديم بعض المساعدات المحدودة، لكنه لم يبدأ التعويضات الفعلية للمتضررين، ما يدل على أن موارده لم تعد تسمح له بالوفاء بالتزاماته السابقة. الأولوية اليوم أصبحت للمصاريف الأساسية، فيما جرى تأجيل الملفات التي تحتاج إلى سيولة كبيرة، وفي مقدمها التعويضات».
ورأت أن «تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق، انعكس مباشرة على قدرات الحزب المالية»، موضحة أن «التضييق على خطوط الإمداد والضغوط المتزايدة على البنية المالية للحزب جعلاه يستهلك موارده الأساسية، فيما باتت المؤسسات المالية المرتبطة به تعمل في ظل رقابة وضغوط أكبر من السابق».
وأضافت: «الأزمة المالية بدأت تظهر بشكل واضح من خلال العجز عن تعويض المتضررين، إلا أن الاعتراض داخل البيئة الحاضنة لا يزال محدوداً، لأن الدولة بدورها عاجزة عن تقديم أي بديل، فيما يواصل كثيرون انتظار حصولهم على مساعدات من الحزب رغم تأخرها».
دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)
على ضفة المؤسسات الرسمية، أكد رئيس مجلس الجنوب، هاشم حيدر، أن أعمال مسح الأضرار بدأت فور تثبيت وقف إطلاق النار، إلا أن التعويضات لم تبدأ بعد بسبب عدم توافر التمويل. وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط»: «باشرنا أعمال المسح فور وقف إطلاق النار في كل المناطق التي أصبحت آمنة ولا تتعرض للاستهداف، فيما تعذر الدخول إلى المناطق الخطرة أو تلك التي لا تزال تشهد وجوداً للاحتلال». وأضاف: «بدأنا بالمنازل المهدمة بالكامل قبل غيرها، حتى تتمكن الجهات المعنية من المباشرة بإزالة الردم بالتوازي مع عملية الكشف».
وبشأن ما يتعلق بالتعويضات، كشف عن أن «الدولة لم تبدأ حتى الآن في صرف أي تعويضات للمتضررين»، مؤكداً أن «لا تعويضات أبداً حتى الآن، ولم يحصل المتضررون على أي مبالغ، بسبب غياب الإمكانات المالية لدى الدولة».
وعن حجم الأضرار، أوضح أن «هناك تقديرات أولية، لكن الأرقام الدقيقة لن تكون متوافرة قبل استكمال المسح الشامل»، لافتاً إلى أن فرق الكشف لم تتمكن بعد من دخول بعض المناطق، ولا سيما تلك الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء»، بسبب استمرار تعذر الوصول إليها، ما يجعل حصر الخسائر بصورة نهائية أمراً غير ممكن في المرحلة الحالية.




