أن يطلب الرئيس الفرنسي الاستعانة بوحدات من الجيش لمساعدة الفرق الإطفائية التي تجهد لاحتواء النيران الملتهبة في أكثر من منطقة فرنسية، فهذا يدل على خطورة التهديد الذي تتعرض له فرنسا كغيرها من الدول المتوسطية مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا. وأن يعمد إيمانويل ماكرون إلى تفعيل آلية تقديم التعاون لمحاربة النيران من الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن القدرات المتاحة في بلاده لا تكفي لمواجهة تعدد الحرائق، فهذا يثير أكثر من علامة استفهام في بلد يُعدّ سادس قوة اقتصادية في العالم. وأن يعلن ماكرون أن فرنسا ستتلقى تعزيزات من الاتحاد الأوروبي تشمل طائرتي «كندير» لمكافحة الحرائق من كرواتيا، وطائرتين من طراز «إير تراكتور» من البرتغال، ومروحيتين ثقيلتي الحمولة من طراز «بلاك هوك» من جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، فهذا يعكس فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة التي لم تأخذ بعين الاعتبار خطورة الحرائق المتصاعدة بسبب الجفاف وموجات الحر الاستثنائية والتغيرات المناخية وعناصر أخرى متداخلة أسهمت كلها في تعظيم الكارثة البيئية التي تعيشها البلاد.
قبل أسبوع، كانت الأنظار تتجه إلى الحريق الضخم الذي ضرب غابة «فونتينبلو» التي تحتضن القصر التاريخي المعروف باسمها، والذي اقتربت منه النيران بشكل خطير.
رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في إقليم «لا جيروند» جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)
وفي القصر المذكور، كُتبت صفحات لا تنسى من تاريخ البلاد، ليس أقلها أن الإمبراطور نابوليون الأول وقّع فيه، يوم 4 أبريل (نيسان) عام 1814، صك تنازله عن العرش بعد دخول الجيوش الروسية والبروسية باريس. أما اليوم، فإن الاهتمام يتركز على منطقة جنوب غربي فرنسا وشاطئها الأطلسي وغاباتها الكثيفة حيث اندلع، قبل أربعة أيام، حريقان هائلان.
مركز إجلاء المقيمين من مناطق الحرائق في بوردو يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)
الأول، في إقليم «لا جيروند»، قرب منتجع «كاب فيريه» البورجوازي المطل على «خليج أركاشون» المعروف بتربية المحار وكونه وجهة متميزة للراغبين في الاستمتاع بمناخه ومياهه بعيداً عن ضوضاء الشاطئ اللازوردي. وحتى ظهر السبت، وعلى الرغم من الجهود الجبارة والمتواصلة التي يبذلها ما لا يقل عن ألف رجل إطفائي مدعومين جواً بطائرات «كندير إير» الخاصة بمحاربة النيران وبالطوافات ووسائل أخرى جوية وأرضية، فإن الحريق ما زال يتقدّم، لا بل إنه يتجه صوب مدينة «بوردو» الشهيرة. والثاني، في إقليم «لاند»، وتحديداً في محيط منتجع «بيسكاروس» الذي يتمدّد بسرعة بسبب الرياح التي تنقل الجزيئات المشتعلة من مكان إلى آخر وتسهم بالتالي في تعدد الحرائق.
وبالنظر إلى اقتراب النيران من «بوردو»، تتوالى أوامر إخلاء المدن والبلدات المحيطة بها والواقعة على خط تقدم النيران.
وصباح السبت الباكر، أمرت صوفي بروكا، التي ترأس هذه الإدارة، بإخلاء «احترازي» لثماني مدن وبلدات؛ كبراها ميرنياك (33.7 ألف نسمة)، وسان ميدار (33 ألف نسمة)، وغالبيتها تقع في محيط بوردو مباشرةً.
وكتب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على منصة «إكس» أن 141 ألف شخص تم إجلاؤهم من إقليمي «لا جيروند» و«لاند»، مضيفاً أن «الحرائق التي تجتاح بلدنا بلغت مستوى لم يسبق له مثيل». من جانبه، قال وزير الداخلية لوران نونيز، إن ما يحصل في إقليم لا جيروند «يعد أكبر حريق تشهده البلاد هذا الموسم». أما صوفي بروكا، محافظة منطقة نوفيل-آكيتين ومحافظة مقاطعة جيروند، فقد وصفته بـ«غير المسبوق ولا يمكن التنبؤ بسلوكه كما أنه شره في التهامه للغابات» الصنوبرية.
مواطنون يسهمون في جهود الإطفاء قرب لاكانو يوم 25 يوليو (رويترز)
تصفح أيضًا: ألمانيا قد تحجب معلومات استخباراتية عن أقاليم إذا حكمها اليمين المتطرف
وبالنظر إلى الإزعاج التي يتسبب به الدخان المنبعث من الحرائق، فقد عمدت السلطات إلى إرسال 1.5 مليون كمامة لحماية السكان من الدخان ومن الجزيئات التي ينقلها الهواء.
كذلك، فإنها تعمد إلى تعبئة رجال الإطفاء في المناطق «الهادئة» وتوجيه بعضهم إلى الجنوب الغربي. وهذا ما فعله قائد فوج إطفاء باريس، أرنو دو كاكوراي، الذي سيرسل مائة من رجاله لمحاربة النيران مع مركباتهم. وطلب الأخير من الأهالي عدم التواصل مع الإطفاء «إلا في حال الطوارئ القصوى».
تتضخّم أرقام الأشخاص الذين أجْلتهم السلطات ساعةً وراء الأخرى، أسوةً بحجم المساحات المحترقة. ففي لا جيروند وحدها، التهمت النيران ما يزيد على 20 ألف هكتار، إضافةً إلى نحو 3000 هكتار في إقليم «لاند» القريب من غابات الصنوبر.
عشرات رجال الإطفاء يستعدون لمكافحة النيران في بوردو يوم 25 يوليو (إ.ب.أ)
وقال مارك فيرمولان، المسؤول عن مكافحة الحرائق في إقليم «لا جيروند» إن سرعة التهام النيران تراوحت طيلة ساعات ما بين 800 و1000 هكتار في الساعة. وفي محيط منتجع «بيسكاروس»، أتت النيران على نحو 3000 هكتار.
وحسب الأرقام الإجمالية المتوافرة من الوكالة الأوروبية للحرائق، فإن ما يزيد على 50 ألف هكتار التهمتها النيران في فرنسا، مما يجعل الصيف الحالي أسوأ ما عرفته البلاد في العقد الحالي. وحقيقة الأمر أن الحرائق ليست محصورة اليوم فقط جنوب غربي فرنسا، إذ إن هناك مجموعة من الحرائق المتنقلة التي تضرب إقليم «لو فار» المتوسطي (2600 هكتار) وجبال الألب الفرنسية العليا (1900 هكتار). ثم هناك حرائق أخرى في غابات جبال البيرينه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا، وفي جزيرة كورسيكا، فضلاً عن حرائق أقل خطورة شمال إقليم «لا جيروند». ولم تتردد صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر صباح السبت، عن تصديره بعبارة «فرنسا تحترق».
لا تعكس الأرقام حقيقة المأساة التي يعاني منها المتضررون من النيران، سواء كانوا من سكان المناطق الملتهبة أو الزائرين والسياح في عز الإجازات الصيفية. فصور الغابات والبيوت تلتهمها النيران، والسكان الهائمين على الطرقات، وإنذارات الإخلاء التي تطلب منهم ترك منازلهم وفنادقهم ومخيماتهم نهاراً أو ليلاً، والهرب بأي وسيلة نقل متوفرة بما فيها البحرية، كل ذلك يعكس تراجيديا هذه المرحلة التي تُحوّل الفرص السعيدة إلى مآسٍ حقيقية.
رجال الإطفاء يحاولون احتواء النيران في كاب-فيريه جنوب غربي فرنسا يوم 24 يوليو (أ.ف.ب)
وشهادات الهاربين التي تضبطها قنوات التلفزيون بالغة التأثير، وبعضهم يتساءل حول قصور الحكومات المتعاقبة عن التعامل مع الحرائق التي تطل برأسها مع كل صيف مقبل. فكيف لدولة بلغت ميزانيتها العامة 459 مليار يورو (521.3 مليار دولار أميركي) للعام 2026، تعجز عن توفير الوسائل الضرورية لمحاربة النيران وما تتسبّب به من مآسٍ وأضرار، فضلاً عن تكلفتها المرتفعة وتبعاتها على البيئة والمجتمع؟
وكما في كل مناسبة، يدور الجدل حول المسؤوليات وتتطاير التهم في كل اتجاه. وبعدها يغيب الاهتمام بالحرائق ليظهر مجدداً، وكما في كل مرة، في الصيف المقبل.




