الرئيسيةالاخبار العاجلةالوظائف القيادية في ليبيا... عندما تصطدم الكفاءة بـ«المحاصصة والقبلية»

الوظائف القيادية في ليبيا… عندما تصطدم الكفاءة بـ«المحاصصة والقبلية»

اشتكى أكاديميون واختصاصيون ليبيون من تراجع الاعتماد على الكفاءة أمام الاعتبارات «القبلية والجهوية والوساطات في شغل الوظائف العامة والمناصب القيادية»، معتبرين أن «المحاصصة والولاءات لمراكز النفوذ تهمش أصحاب الكفاءات، وتعرقل بناء مؤسسات الدولة» الليبية.

وأثيرت هذه القضية عقب منشور للأكاديمي أحمد سالم قاسم، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم التقنية في درنة، قال فيه إن «ترشيحه لتولي منصب مراقب اقتصادي بالمدينة رُفض رغم مؤهلاته العلمية»، معتبراً أن «الاعتبارات القبلية والوساطات أصبحتا تتقدمان على الكفاءة في شغل المناصب القيادية».

وأثار المنشور تفاعلاً واسعاً بين متابعيه، إذ رأى البعض أنه يعكس «معاناة عدد من أصحاب الكفاءات»، فيما اعتبر آخرون أن الأزمة تتجاوز الاعتبارات القبلية لتشمل «المحسوبية والفساد، وتغليب الولاءات على معايير الجدارة».

وسعت «الشرق الأوسط» للتواصل مع حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب، والتي تخضع درنة لسيطرتها، لكن دون تلقي رد يتعلق بشكوى قاسم.

ويرى قاسم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الإشكالية «ليست جديدة، بل تمتد لعقود، لكنها تفاقمت مع الانقسام السياسي وتعدد مراكز السلطة، ما انعكس، بحسب اعتقاده، على آليات التوظيف واختيار القيادات في مؤسسات الدولة».

ولا تبدو هذه الشكوى استثناء، إذ يقول الأكاديمي الليبي، سيف الله الحطاب، الحاصل على الماجستير في العلوم السياسية ويستعد لنيل الدكتوراه في «الأكاديمية الليبية للدراسات العليا»، إنه «لم يعد يعول على الوصول إلى موقع يوظف فيه خبراته لخدمة بلده».

ويضيف الحطاب لـ«الشرق الأوسط» أن طموحه يتمثل في الإسهام في بناء مؤسسات الدولة، لكنه يرى أن «الولاءات القبلية والمصالح الشخصية تتقدمان كثيراً على معايير الكفاءة، بما يتيح لغير المؤهلين الوصول إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة».

غير أن هذا الجدل لا يعد أمراً جديداً، فقد سبق أن حذر عضو هيئة التدريس بجامعة الزنتان، فرحات أبو زخار، من أن أزمة التعيينات في ليبيا «تعكس خللاً في إدارة الدولة، مع تغليب الوساطات والمحاصصات والولاءات لمراكز النفوذ على الكفاءة، بما يضعف المؤسسات، ويهدر الكفاءات ويعرقل الإصلاح».

من جهته، يقر المحلل السياسي الليبي رمضان شليق بواقع الحضور القبلي في مشهد المناصب القيادية في ليبيا، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير الانتماءات القبلية في شغل المناصب العامة تعزز بصورة أكبر بعد عام 2011».

وخلصت حوارات ليبية كانت رعتها البعثة الأممية في أعوام سابقة إلى ضرورة اعتماد الكفاءة والخبرة في التعيينات العليا، مع الإشارة إلى اعتقاد واسع بأن الولاءات السياسية والجهوية والقبلية والشخصية لا تزال تؤثر في شغل المناصب القيادية.

عبد المجيد مليقيطة (متداولة)

قد يهمك أيضًا: الاحتلال يحرق عشرات أشجار الزيتون غرب رام الله

لكن الجدل بقي ممتداً ليطال مؤخراً المؤسسات السيادية، مع أزمة تعيين عبد المجيد مليقيطة رئيساً لجهاز المخابرات، بقرار من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي هذا الشهر، حيث اعترض المجلس الأعلى لقبائل الصيعان في الزنتان على إعفاء رئيس الجهاز السابق حسين العائب، وأحد أبنائها، معتبراً أن القرار يعكس سياسة «إقصاء وتهميش».

لم يكن التعليم العالي بمنأى عن الشكاوى من دور الاعتبارات القبلية والجهوية، التي رأى عضو هيئة التدريس بجامعة طرابلس، زياد حبيب، أنها «باتت تتقدم على الكفاءة في اختيار القيادات الجامعية»، محذراً من أن «تسييس» الجامعات يضعف أداءها واستقلاليتها.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على الحكومة المركزية، بل تمتد أيضاً إلى البلديات والمجالس المحلية، إذ إنها، وفق الحطاب، تخضع في أحيان كثيرة لـ«المحاصصات القبلية»، وهو ما يغلق الباب أمام الكفاءات، ويؤخر بناء دولة المؤسسات، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص.

ومن داخل السلطة التشريعية، اعتبر عضو مجلس النواب علي التكبالي أن القبلية «لا تزال تمثل أحد أبرز العوائق أمام وصول الكفاءات الحقيقية إلى المناصب العامة، إلى جانب الجهوية والمحاصصة والمجاملات». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تغليب الانتماءات الاجتماعية على معايير الكفاءة يعمق ضعف مؤسسات الدولة، ويقوض فرص بناء دولة مدنية تقوم على تكافؤ الفرص وسيادة القانون»، معتبراً أن هذه الظاهرة «متجذرة منذ عقود»، ولن تتراجع إلا عبر إصلاحات تربوية وإعلامية وثقافية، تعزز قيم المواطنة وتحد من العصبيات التقليدية.

يرى كثير من الليبيين أن دور الاعتبارات القبلية والجهوية يتقدم على الكفاءة في اختيار القيادات الجامعية (الشرق الأوسط)

وتكشف خريطة التركيبة الاجتماعية في ليبيا، بحسب خبراء محليين وتقارير دولية، عن تركيبة قبلية واجتماعية متنوعة في الأقاليم التاريخية الثلاثة.

ففي شرق ليبيا تحافظ قبائل تاريخية، مثل العبيدات والعواقير والبراعصة، على حضور اجتماعي مؤثر، بينما تتداخل الروابط القبلية في الغرب مع المدن الكبرى مثل طرابلس ومصراتة، فيما يتميز الجنوب بتنوع سكاني يضم قبائل عربية إلى جانب الطوارق والتبو.

لكن قيادات اجتماعية وقبلية تدعو إلى قراءة أكثر توازناً للمشهد. إذ يرى سالم كرواد، أحد أعيان مصراتة، أن الانتماء القبلي قد ينعكس أحياناً على تولي بعض المناصب القيادية، لكنه ليس العامل الوحيد، إذ تتداخل معه اعتبارات سياسية وجهوية وأمنية.

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن مشروع بناء الدولة يقتضي «اعتماد الكفاءة والنزاهة والاستحقاق مرجعية أولى عند اختيار القيادات، بما يحقق العدالة ويصون المصلحة الوطنية».

أما حواء زايد، عضوة «الحوار المهيكل» الذي رعته الأمم المتحدة، فتقر بأن «المحاصصات لعبت دوراً في تشكيل المشهد السياسي الليبي»، لكنها ترى في الوقت نفسه أن خصوصية الحالة الليبية تفرض مراعاة عنصر التوازن في تمثيل مختلف المناطق والمكونات.

وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن بناء دولة المؤسسات يتطلب أن تكون الكفاءة هي المعيار الأساسي في تولي المناصب، «لكن في الحالة الليبية لا يمكن إغفال أهمية الشمولية والتمثيل المنصف لجميع المكونات الليبية»، باعتبارهما عنصرين ضروريين لضمان الاستقرار إلى جانب معايير الجدارة.

وتعاني ليبيا من انقسام مؤسسي بين حكومتي عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (غرباً)، وأسامة حماد في بنغازي (شرقاً).

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt