كشف الناطق باسم الحكومة العراقية عن أن رئيس الوزراء، علي الزيدي، حمل إلى طهران «مبادرة» تهدف إلى تهدئة التصعيد في المنطقة، فيما أكدت بغداد أنها «لن تسمح بوجود أي تهديد لإيران ينطلق من الأراضي العراقية».
وجاءت هذه المواقف خلال زيارة رسمية أجراها الزيدي إلى طهران، بعد نحو أسبوع من لقائه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في واشنطن.
ووصل الزيدي طهران، ظهر الخميس، على رأس وفد رفيع، وكان في استقباله وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني، علي مدني زاده، ممثلاً للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وفق ما أفاد به الموقع الإعلامي للحكومة الإيرانية.
وجرت مراسم الاستقبال الرسمي للزيدي في «قصر سعد آباد» بالعاصمة طهران، وكان في استقباله بزشكيان، حيث عُزف خلال المراسم النشيد الوطني لكلا البلدين، واستُعرض حرس الشرف.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (يمين) وهو يستقبل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (وسط) في طهران يوم 23 يوليو 2026 (الرئاسة الإيرانية)
وقال الزيدي، إنه بحث مع بزشكيان عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها وضع آلية لعمل «اللجنة الاقتصادية العراقية – الإيرانية المشتركة».
وأكد الزيدي أن زيارته إيران تعبير عن عمق العلاقة وتجديد لها، وأنها تمثل جسر مودة بين الشعبين، مشيراً إلى «الشراكة التي تجمع البلدين في الدين والحضارة والجغرافية والثقافة».
وأوضح الزيدي أن الزيارة تأتي من أجل التباحث في قضايا تخص البلدين والمنطقة، داعياً إلى وجود استثمارات مشتركة في مختلف المجالات.
من جانبه، أكد الرئيس الإيراني أن الاستقرار الأمني مهم جداً، وأنه ينعكس إيجاباً على الواقع التنموي الثنائي، كما أشار إلى وجود فرص استثمارية مهمة مشتركة بين البلدين.
ورعى الزيدي وبزشكيان في العاصمة طهران مراسم توقيع 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مختلف المجالات، تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي والشراكة بين البلدين الجارين.
وتشمل الاتفاقياتُ، التي وقّعها عن الجانب العراقي وزراء كل من؛ الخارجية، والكهرباء، والمالية والتخطيط وكالة، الشحنَ والنقل الدولي البري للبضائع، ومذكرة تفاهم لمدّ «سكة حديد كرمنشاه – خسروي – خانقين- بغداد»، والتوأمة بين «أمانة بغداد» و«بلدية طهران».
ونقل الزيدي «وجهات نظر وانطباعات عن زيارته الأخيرة واشنطن إلى المسؤولين الإيرانيين»، وفق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وقال عراقجي، في تصريحات صحافية نقلها التلفزيون الإيراني، إن «بلاده لا تواجه حالياً مع الولايات المتحدة مشكلة تتعلق بالوساطة»، مضيفاً أن «المشكلة تكمن في طبيعة نهج الولايات المتحدة، وهو غير منطقي وقائم على المطالب المفرطة والهيمنة».
وكانت وسائل إعلام تداولت معلومات عن رسالة محتملة نقلها رئيس الحكومة العراقية إلى الجانب الإيراني، لكن من دون تأكيد رسمي.
نوصي بقراءة: ترمب: لا نسعى لتغيير النظام في إيران ونفضل الاتفاق
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (وسط اليمين) برفقة أعضاء من حكومته خلال محادثات مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (وسط اليسار) وأعضاء وفده في طهران يوم 23 يوليو 2026 (الرئاسة الإيرانية)
إلا إن الناطق باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الزيدي حمل مبادرة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك التهدئة»، موضحاً أن «العراق يحظى بعلاقات متوازنة بمحيطه الإقليمي والدولي، ويستثمرها لصالح استقرار المنطقة، ولصالح إطلاق فرصة شاملة للتنمية الإقليمية».
وقبيل مغادرته إلى طهران، قال الزيدي في تدوينة على «إكس»، إنه «يتوجه إلى طهران لبحث الملفات ذات الاهتمام المشترك، والتعاون الثنائي، والتشاور بشأن القضايا الإقليمية والجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».
وأضاف أن «العراق وإيران تجمعهما روابط تاريخية وحضارية وحدود جغرافية ومصالح مشتركة، وهو ما يفرض مواصلة العمل بروح الحوار والتعاون والاحترام المتبادل، بما يعزز التنمية المستدامة والازدهار لشعبَي البلدين، ويسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي».
مع ذلك، استبعد وزير الكهرباء العراقي الأسبق، لؤي الخطيب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، حدوث أي اختراق اقتصادي بيّن «في ظل ظروف الحرب الراهنة بالمنطقة، التي من الصعب التنبؤ بتطوراتها بسبب انعدام الرؤية»، مشيراً إلى أن التحديات التي ستظهر «بعد هجمات طالت منشآت الطاقة الإيرانية وبناها التحتية، ستنعكس سلباً على تجهيز الكهرباء والغاز الإيراني للعراق أكثر فأكثر».
سياسياً، يرى الخطيب «أهمية الزيارة في حفظ توازن العلاقات بين العراق وحلفائه الاستراتيجيين، إقليمياً ودولياً، وهي بالتالي تلبية لدعوة بروتوكولية لتوطيد العلاقة بين حكومة الزيدي حديثة العهد والحكومة الإيرانية».
وبشأن قدرة العراق على لعب دور وسيط وفاعل في الحرب الدائرة، أكد الخطيب، أن الأمر «يقتصر على تأثير طهران على الفصائل المسلحة في العراق وأهمية انصهارها في المنظومة السياسية ومؤسسات الدولة»، وأن «الجهد الدبلوماسي الإقليمي سيبقى في عهدة عُمان وباكستان بالدرجة الأساس، ودول إقليمية أخرى».
وكشف الناطق باسم الحكومة العراقية عن أن رئيسها، علي الزيدي، حمل إلى طهران «مبادرة» تهدف إلى تهدئة التصعيد في المنطقة، فيما أكدت بغداد أنها «لن تسمح بوجود أي تهديد لإيران ينطلق من الأراضي العراقية».
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (يمين) خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في طهران يوم 23 يوليو 2026 (الرئاسة الإيرانية)
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين، ياسين البكري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «زيارتَي الزيدي؛ واشنطن ومن ثم طهران، مترابطتان من حيث النمط المعتاد لرؤساء الوزراء السابقين في زيارات تهدف إلى التوازن بين الطرفين».
وليس من الواضح، بالنسبة إلى البكري، ما إذا كان هناك طلب أميركي للعب دور في الأزمة الحالية، «لكن قد تكون فرصة للعراق أن يحاول الزج بنفسه بدور في هذا الملف مع صعوبته»، مشيراً إلى أن «إيران تفهم أن واشنطن تسعى بقوة إلى نزع العراق من نفوذها، وربما تعتقد أن هناك نية أميركية لجعل العراق حائط صد، ولإحياء دوره موازناً استراتيجياً في مقابلها».
في السياق نفسه، أوضح أستاذ الإعلام غالب الدعمي لـ«الشرق الأوسط» أن «طهران ترى في الزيدي فرصة أخيرة وحبل نجاة خصوصاً بعد تعثر المفاوضات التي قادتها باكستان مؤخراً»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «المُخفى في هذه الزيارة هو تبليغ الزيدي الجانب الإيراني ضرورة رفع الغطاء عن الفصائل المسلحة لحصر سلاحها والاستمرار في حملة مكافحة الفساد مقابل أن يتولى العراق دور الوساطة».
وكان المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، قال إن الحكومة لا تعتزم مناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة خلال الزيارة، مشدداً على أن «حصر السلاح شأن سيادي عراقي لا يناقَش في عواصم أخرى».
وكانت تقارير محلية تحدثت عن احتمال أن يطلب الزيدي من طهران ممارسة ضغوط على فصائل مسلحة لتسليم صواريخ وطائرات مسيَّرة وإنهاء ما تصفه الحكومة بـ«ملف السلاح المنفلت» قبل نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل. وهي تقارير لم تؤكدها الحكومة العراقية.
وكان الزيدي قد أشار في مقابلة مع مجلة «ذا أتلانتيك»، خلال زيارته واشنطن، إلى أن العراق يسعى لتبني مقاربة تركز على الاستثمار والتنمية الاقتصادية في مواجهة تداعيات التوترات الإقليمية، بعدما تسبب إغلاق مضيق هرمز، وفق قوله، في خسائر مالية تجاوزت 50 مليار دولار؛ مما زاد الضغوط على المالية العامة العراقية.




