كشفت دراسة حديثة عن نتائج أثارت جدلًا واسعًا بين الباحثين في علم الأعصاب والتفاعل البشري مع التكنولوجيا، بعدما أظهرت أن بعض مناطق الدماغ البشري تستجيب لروبوتات الدردشة الذكية بطريقة قريبة من استجابتها للبشر الحقيقيين، خصوصًا أثناء المحادثات الطويلة أو العاطفية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك والعلاقات الإنسانية مستقبلًا.
ووفقًا لدراسة بعنوان “الاستجابات العصبية للمحادثات مع ذكاء اصطناعي شبيه بالبشر”، نشرت في دورية Nature Human Behaviour (السلوك البشري – نيتشر) وهي مجلة متخصصة بعلوم الإدراك العصبي والتفاعل الرقمي، فإن الباحثين استخدموا تقنيات تصوير الدماغ لمراقبة نشاط المشاركين أثناء التفاعل مع روبوتات دردشة متقدمة قادرة على محاكاة التعاطف والاستجابة البشرية.
أظهرت النتائج أن بعض المشاركين سجلوا نشاطًا واضحًا في مناطق دماغية مرتبطة بالتعاطف والتفاعل الاجتماعي، وهي نفس المناطق التي تنشط عادة أثناء التحدث مع أشخاص حقيقيين.
الباحثون أوضحوا أن الدماغ لا يستجيب فقط للكلمات، بل لطريقة صياغتها والنبرة العاطفية والتفاعل المستمر، ومع تطور النماذج اللغوية أصبحت الردود تبدو “إنسانية” بدرجة تجعل العقل يتعامل معها اجتماعيًّا حتى مع معرفة المستخدم أنه يتحدث مع آلة.
تصفح أيضًا: جوجل تنجح فى كشف صورة مزيفة بالذكاء الاصطناعى.. ميزة SynthID تثبت فعاليتها
الدراسة أشارت إلى أن الاستجابة السريعة، واللغة المتعاطفة، والقدرة على تذكّر سياق الحديث، كلها عوامل تدفع بعض المستخدمين إلى بناء نوع من الارتباط النفسي مع روبوتات الدردشة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من العزلة أو الوحدة أو الضغوط النفسية.
كما لاحظ الباحثون أن بعض المشاركين وصفوا المحادثات الطويلة مع الذكاء الاصطناعي بأنها “مريحة نفسيًّا” أو “أقل حكمًا من البشر”، وهو ما يعزز احتمالية الاعتماد العاطفي التدريجي على هذه الأنظمة.
الباحثون شددوا على أن استجابة الدماغ بهذه الطريقة لا تعني أن الذكاء الاصطناعى يمتلك مشاعر أو وعيًا حقيقيًّا، بل تعكس قدرة الدماغ البشري على التفاعل اجتماعيًّا مع أي كيان يظهر سلوكًا لغويًّا مقنعًا ومتجاوبًا.
لكنهم حذروا في الوقت نفسه من أن هذا النوع من التفاعل قد يؤثر مستقبلًا على العلاقات الاجتماعية الحقيقية، خصوصًا إذا أصبح بعض المستخدمين يفضلون الراحة العاطفية السهلة التي توفرها الأنظمة الذكية بدل العلاقات الإنسانية المعقدة.
عدد من الباحثين المشاركين في الدراسة دعوا إلى إجراء أبحاث أوسع لفهم التأثيرات طويلة المدى للتفاعل اليومي مع الذكاء الاصطناعي، خاصة مع انتشار المساعدات الصوتية والروبوتات الاجتماعية القادرة على التفاعل المستمر مع البشر، كما أشاروا إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي العاطفي قد يخلق مستقبلًا تحديات أخلاقية ونفسية غير مسبوقة تتعلق بالعلاقات، والثقة، والتعلّق العاطفي بالآلات.




