كرة القدم ليست مجرد لعبة تعتمد على الركض وراء الكرة وتسجيل الأهداف، بل هي مسرح كبير تتجلى فيه أصدق المشاعر الإنسانية.
طوال تاريخ اللعبة، رأينا أساطير ونجومًا يذرفون الدموع في لحظات الانكسار، ولكن وسط هذا البحر من المشاعر، يقف نجم واحد كتمثال من جليد لا يذوب مهما بلغت حرارة الخسارة وقسوتها؛ إنه كيليان مبابي.
من نهائي كأس العالم 2022 الدرامي الذي خسره أمام الأرجنتين، إلى الخروج القاسي من نصف نهائي مونديال 2026 أمام إسبانيا، مرورًا بخسارة بعض الألقاب والبطولات مع فريقه ريال مدريد، كان المشهد دائمًا واحدًا.
تنطلق صافرة النهاية، يسقط اللاعبون على الأرض، يجهش البعض بالبكاء ويضعون قمصانهم على وجوههم، بينما يقف كيليان مبابي بوجه خال تمامًا من التعابير.
تبحث عدسات الكاميرات بلهفة عن دمعة واحدة في عيني النجم الفرنسي، لكنها لا تجد سوى نظرات حادة وفراغ غريب.
هذا الجمود المستمر يطرح تساؤلًا في أذهان الجماهير: هل هو كبرياء يمنعه من الانكسار أمام الملايين، أم تبلد في المشاعر جعله يعتاد الصدمات الرياضية؟
من منظور علم النفس، فإن عدم بكاء كيليان مبابي في لحظات الانكسار الكبرى لا يعني أبدًا تبلد المشاعر أو انعدام التأثر.
يفسر علماء النفس هذه الحالة بمصطلح “الكبت العاطفي” أو “التنظيم العاطفي الصارم”؛ مبابي، الذي وُضع تحت مجهر الشهرة العالمية منذ أن كان مراهقًا، طوّر “ميكانيزم دفاعي” (آلية دفاع نفسية) لحماية صورته الذهنية أمام العالم.
علم النفس الرياضي يشير إلى أن بعض الرياضيين يبنون قناعًا من الصلابة المطلقة، ويرون في إظهار الحزن أو البكاء علامة على الضعف أو الاستسلام للخصم.
عقل مبابي الباطن يرفض منح المنافسين أو وسائل الإعلام لقطة الانكسار، فهو يربط قيمته الذاتية بالسيطرة الكاملة على مجريات الأمور، وحتى عندما يفقد السيطرة على نتيجة المباراة، فإنه يقرر الاحتفاظ بالسيطرة على ردود أفعاله.
تصفح أيضًا: رسميًا.. الوحدة الإماراتي يعلن تعاقده مع لاعب كريستال بالاس
إذا بحثت في أرشيف مبابي الكروي، ستجد أن اللحظات التي أظهر فيها ضعفًا إنسانيًا تكاد تكون معدومة.
المرة الوحيدة التي اقترب فيها من البكاء علنًا كانت إبان فترته مع باريس سان جيرمان، وتحديدًا عندما تعرض لإصابة قوية في الكاحل خلال نهائي كأس فرنسا في 2020 أجبرته على مغادرة الملعب حينها.
هنا يتدخل علم النفس مجددًا ليوضح الفارق؛ فالألم الجسدي المفاجئ يتجاوز حواجز الدفاع النفسي التي يبنيها العقل، مما يفرض استجابة فسيولوجية لا إرادية (الدموع).
مع ذلك، وفي تلك اللحظة التي غلبه فيها الألم، تعمد مبابي إخفاء وجهه بيده، وكأنه يقاوم غريزته ويرفض تمامًا أن تُوثق له صورة يظهر فيها ضعيفًا أو منكسرًا.
يُعرف عن مبابي أنه اتخذ من الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو مثلًا أعلى له منذ الطفولة، وبالفعل، يبدو النجم الفرنسي امتدادًا واضحًا للدون في جوانب الثقة المفرطة، والغرور الكروي، والاعتداد بالنفس في كل الأوقات.
لكن المفارقة العجيبة تكمن في طريقة التحرر النفسي من الضغوط؛ كريستيانو رونالدو، رغم كبريائه الذي يلامس السماء، يمتلك شخصية منفتحة عاطفيًا.
لا يخجل رونالدو أبدًا من إظهار مشاعره الإنسانية؛ رأيناه يبكي بحرقة في نهائي يورو 2004، وتنهار دموعه في مونديال 2022 ويورو 2024 وكذلك نسخة كأس العالم الحالية.
علم النفس يرى أن بكاء رونالدو هو تفريغ فوري لشحنة التوتر، بينما مبابي، التلميذ الذي تفوق على أستاذه في كتمان المشاعر، يختار الاحتفاظ بهذه الشحنة داخله، رافضًا التنفيس عنها أمام الكاميرات.
قد يرى البعض في جفاف دموع كيليان مبابي نوعًا من الغرور المبالغ فيه، بينما يراه علم النفس درعًا واقيًا لشخصية ترفض الهزيمة حتى بعد انطلاق صافرة النهاية.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع طريقته، سيبقى مبابي لغزًا نفسيًا وكرويًا مثيرًا للاهتمام؛ النجم الذي يسجل الأهداف بدم بارد، ويتقبل الهزائم ببرود أشد، ليثبت دائمًا أن كبرياءه الكروي عصي على الذوبان في دمعة.




