الرئيسيةالرياضةإحنا زعلانين وهم بيصيفوا؟ سر غضب الجماهير من سفر اللاعبين بعد توديع...

إحنا زعلانين وهم بيصيفوا؟ سر غضب الجماهير من سفر اللاعبين بعد توديع البطولات

في كل بطولة كبرى، يكاد المشهد يتكرر بالحرف؛ الجماهير لا تزال تعيش صدمة الإقصاء، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الدموع والغضب.

بعد أيام قليلة، يفتح المشجع هاتفه ليجد صورة نجمه المفضل يبتسم على متن يخت في إحدى الجزر أو يستمتع بإجازته الصيفية، كما حدث مؤخرًا مع بعض اللاعبين للمنتخبات التي ودعت كأس العالم.

شهدت بطولة كأس العالم 2026 هذا السيناريو أكثر من مرة؛ فبعد خروج البرازيل من دور الـ16، ظهر فينيسيوس جونيور في إجازة بإيطاليا، لتتحول الصور إلى مادة للنقاش عبر مواقع التواصل.

كما بدأ عدد من لاعبي المنتخبات التي ودعت البطولة، ومن بينها مصر والنرويج، قضاء إجازاتهم السنوية بعد نهاية موسم طويل، لتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل السفر بعد الخسارة يعني أن اللاعبين لم يحزنوا؟ أم أن الصورة لا تحكي كل الحقيقة؟

هذا الصدام بين حزن المدرجات وابتسامات الإجازات ليس جديدًا، لكن فهم أسبابه يتطلب منا النظر إلى الصورة من زاوية مختلفة، بعيدًا عن تبرئة اللاعبين أو إدانة الجماهير، بل لمحاولة فهم لماذا يحدث هذا الصدام أصلًا.

عندما يغضب المشجع، فإنه يحكم في ثانية واحدة بناءً على صورة رآها عبر الإنترنت، لكنه لا يرى الأيام والشهور التي سبقت هذه اللقطة.

الجمهور لا يرى الضغط الإعلامي الهائل، الانتقادات اللاذعة، المعسكرات المغلقة الطويلة، الإصابات التي يتم التحامل عليها، النوم المتقطع، والخوف المستمر من المستقبل.

الصورة التي تُنشر للاعب في إجازته لا تحكي القصة كاملة، بل تقتطع ثانية واحدة من حياة مليئة بالضغوط.

يتوقع الجمهور أن اللاعب المهزوم يجب أن يعيش حالة حداد علنية؛ يغلق حساباته، ينعزل في منزله، يمتنع عن الابتسام، ويلغي خطط سفره.

لكن علم النفس يخبرنا أن البشر يتعاملون مع الصدمات بطرق مختلفة.

هناك لاعب ينعزل بالفعل، وآخر يفضل السفر لتجاوز الأزمة، وثالث يقضي الوقت مع أسرته لتعويض غيابه الطويل، ورابع يعود للتدريبات مبكرًا لإفراغ طاقته السلبية.

لا توجد طريقة واحدة صحيحة للحزن، والتعبير عن الإحباط لا يتطلب بالضرورة البكاء أمام الكاميرات.

من المهم أن نفهم دورة حياة لاعب كرة القدم؛ المشجع يمتلك إجازات صيفية وأعيادًا وعطلات أسبوعية، أما اللاعب فيعيش موسمًا يمتد لعشرة أو أحد عشر شهرًا، يخوض فيه مباراة كل ثلاثة أيام وسط سفر مستمر وتدريبات شاقة.

الوقت الوحيد الذي يستطيع فيه اللاعب ممارسة حياته الطبيعية والتقاط أنفاسه هو بعد نهاية الموسم أو البطولات الكبرى.

نوصي بقراءة: دافع عن الحكام فأصابته اللعنة.. مدرب سويسرا يتجرع من كأس الفراعنة المونديالي

الأزمة هنا أن توقيت هذه الإجازة الإلزامية يتزامن تمامًا مع الوقت الذي تكون فيه الجماهير لا تزال تعيش مرارة الهزيمة وتتجرع ألم الخروج.

في الماضي، لم يكن الجمهور يعرف أين وكيف يقضي اللاعبون إجازاتهم بعد الخسارة؛ أما اليوم، فبمجرد أن ينشر اللاعب صورة، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى محكمة فورية تنصب المشانق: “كيف يضحك؟”، “لقد نسي حزن الجماهير”، “لا يمتلك قطرة دم”.

الأزمة ليست في السفر بحد ذاته، بل في أن التكنولوجيا جعلت الجماهير شريكة في كل لحظة من حياة اللاعب الخاصة، مما حول أي تصرف طبيعي إلى مادة للهجوم.

يجب أن نكون واقعيين، المشجع يخسر مباراة أو حلمًا بالتتويج ويشعر بمرارة كبيرة، لكن اللاعب يخسر أكثر من ذلك بكثير.

اللاعب يخسر بطولة، مكافآت مالية ضخمة، مكانه الأساسي في التشكيل، ثقة مدربه، وربما يخسر عقدًا جديدًا أو مستقبله المهني بأكمله.

لذلك، فكرة أن الهزيمة “لا تفرق معه” هي فكرة غير صحيحة وعاطفية للغاية.

يتحدث أخصائيو علم النفس الرياضي باستمرار عن أهمية التعافي الذهني والفصل النفسي.

جسد اللاعب ليس الوحيد الذي يحتاج إلى الراحة، بل عقله أيضًا يحتاج للخروج من الدائرة المغلقة: تدريب، مباراة، ضغط، انتقاد، ثم تدريب مجددًا.

لهذا السبب، يطلب معظم المدربين من لاعبيهم الابتعاد تمامًا عن متابعة أي شيء يخص كرة القدم خلال فترة الإجازة، والسفر لتغيير الأجواء ليتمكنوا من بدء الموسم الجديد بتركيز صافٍ.

لو نظرنا للأمر من زاوية إنسانية، سنجد أننا نمارس ازدواجية واضحة؛ إذا خسر شخص ما ترقية في عمله، قد يخرج بعد أسبوع مع أصدقائه لتجاوز الأمر.

إذا رسبت طالبة في اختبار مهم، قد تذهب بعد أيام قليلة إلى مكان ترفيهي لتغيير حالتها المزاجية؛ فلماذا يصبح لاعب كرة القدم وحده مطالبًا بأن يظل حزينًا ومكتئبًا أمام الجميع لإثبات ولائه؟

في النهاية، يجب أن نسأل أنفسنا: عندما نهاجم لاعبًا بسبب صورة، هل نحن نحاكم مشاعره الحقيقية أم مجرد لقطة عابرة؟ أنت لا تعرف ما هي كواليس الصورة، أو إذا كان يبتسم مجاملة لمن طلب التقاطها، أو إذا كان يبكي في غرفته قبلها بساعة.

الجمهور يحكم على ثانية واحدة، بينما المشاعر الإنسانية لا تُقاس بصورة؛ ليس المطلوب أن يتوقف المشجع عن حزنه وشغفه، ولا أن يتوقف اللاعب عن ممارسة حياته الطبيعية، بل أن يدرك كل طرف أن الآخر يعيش مرارة الهزيمة بطريقته الخاصة والمختلفة.

بين دمعة مشجع على المدرجات وصورة لاعب على شاطئ بعيد، قد يكون الشعور واحدًا… حتى لو بدا المشهد مختلفًا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات