يستعد مؤسس التيار العلماني في الجزائر، طبيب الأعصاب، سعيد سعدي، لإنهاء إقامته في الخارج والعودة إلى البلاد نهاية الشهر الحالي، بعد أكثر من سبع سنوات قضاها في فرنسا متفرغاً لكتابة مذكراته.
وتأتي هذه العودة محملة بجرعة مكثفة من الإثارة السياسية: فمن جهة، يصاحبها خطاب ناري ينتقد السلطة ويتوقع سيناريو الاعتقال في المطار؛ ومن جهة أخرى، يغذي هذا التحول تكهنات صاخبة وراء الكواليس حول طموحات رئاسية محتملة لأفق 2029، تعيد إلى الأذهان شبكة التفاهمات المعقدة، التي نسجها الرجل مع أجهزة الدولة مطلع تسعينات القرن الماضي؛ لمنع وصول الإسلاميين الراديكاليين إلى السلطة، في انتخابات برلمانية شهيرة عرفت فوزاً ساحقاً لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي تم حلّها بحكم قضائي عام 1992 بتهمة «الإرهاب».
سعدي محاطاً بمجموعة من المناضلين السياسيين الجزائريين في فرنسا (حسابه الخاص)
وأعلن الرئيس الأسبق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» سعيد سعدي (79 عاماً)، المقيم في فرنسا منذ نهاية عام 2019، عبر منصة «ألترنا تي في» (البديل تي في) – وهي وسيلة إعلامية مستقلة تبث من الخارج- عن استكماله كتابة مذكراته وعزمه العودة إلى الجزائر.
ففي 31 يوليو (تموز)، ستحط طائرته بمطار الجزائر العاصمة، حيث يجري إعداد برنامج استقبال من طرف نحو أربعين شاباً. ويتضمن برنامج اليوم الأول استقبالاً في المطار، يليه تنقل إلى مسقط رأسه بقرية أغريب في منطقة القبائل.
ووفق مراقبين، يعيد إعلان سعدي عودته إحياء التساؤلات حول نوايا وأجندة رجل فاعل وبارز في المشهد الوطني؛ فبعد أن شارك في تأسيس حزب «التجمع» نهاية ثمانينات القرن الماضي، إلى جانب مناضلين بارزين أمثال فرحات مهني، ومقران آيت العربي، ومصطفى باشا، وشخصيات أخرى، طبع سعدي عقوداً من الحياة السياسية بمواقفه الحاسمة تجاه قضايا الديمقراطية والعلمانية والهوية.
ويؤكد سعدي أن تنحيه عن قيادة الحزب عام 2012 لم يكن يعني انسحابه من الفضاء العام، مستحضراً ما جاء في خطاب استقالته آنذاك، حين أعلن أنه سيظل «مجرد مناضل بسيط». وقد أتاحت له هذه الصفة مواصلة الإسهام، من منفاه الاختياري، في إثراء النقاشات المتعلقة بتحولات المشهد السياسي الجزائري.
اقرأ ايضا: تعليق ناري على تعليق إيقاف مهاجم المنتخب الأميركي
مظاهرة لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» عام 1991 (أرشيفية)
وتأتي عودته في سياق يصفه سعدي بـ«المنعطف السلطوي». وعن سؤال حول ما إذا كان يخشى التعرض للاعتقال، جاءت إجابته قاطعة: «كل شيء وارد، لكني سأعود مهما حدث. يجب الإقدام على هذه الخطوة أيضاً لخلخلة النظام ووضع حد للتعسف السائد منذ بضع سنوات».
ويقرأ مراقبون عودة سعدي من زوايا متعددة؛ فمنهم من يعدّه قراراً شخصياً بحتاً، ومنهم من يراه «محاولة لاستعادة موقع في دائرة التأثير»، في حين يربطه آخرون بحسابات سياسية أوسع. وفي ظل واقع سياسي أعاد الحراك الشعبي (2019) تشكيل ملامحه، وما رافقه من تضييق على العملين الحزبي والمجتمعي، تبدو هذه العودة، وفق المراقبين أنفسهم، أبعد من أن تكون خاتمة لمسيرة سياسية، وأقرب إلى بداية مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
كما يرى مراقبون أن الأمر يتعلق بعودة رمزية وتاريخية، فبعد نشر مذكراته، قد يفضّل سعيد سعدي اتخاذ موقع المثقف الذي يتدخل في الشأن العام عبر كتاباته وتحليلاته من دون الانخراط المباشر في المعترك الحزبي، وهو خيار قد يفرضه تقدمه في السن. وثمة فرضية أخرى تشير إلى عودة سياسية وإن كانت غير مباشرة؛ ورغم استبعاد استعادته زمام قيادة «التجمع» الذي غادره قبل سنوات، فمن غير المرجح «أن يبقى بعيداً عن الساحة لفترة طويلة، خاصة وأنه صرح مؤخراً بأن الوقت لا يزال مبكراً لإنهاء طموحاته السياسية»، بما يفتح باب التأويل إلى احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2029، خصوصاً أنه خاض هذه التجربة من قبل، حيث ترشح في استحقاق 1995 الذي فاز فيه الجنرال اليمين زروال مرشحاً عن السلطة.
عثمان معزوز الرئيس الحالي لـ«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (إعلام حزبي)
وزيادة على طموحه المفترض في السلطة، يرتبط سعدي ارتباطاً وثيقاً بما يعرف بـ«مجموعة أسيرم» في مدينة تيزي وزو، التي يتحدر منها، وتضم المجموعة الكثير من الأطر والمناضلين السابقين في الحزب.
كما تمكن قراءة هذه العودة كرسالة سياسية موجهة إلى السلطة والمعارضة على حد سواء؛ إذ لا تزال مواقف سعيد سعدي، التي ينشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي خاصة حول المسائل الديمقراطية والهوية، تحرك النقاش العام. غير أن هذه الرسالة تستهدف بالدرجة الأولى القيادة الحالية لـ«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» التي يقع في قطيعة معها، حيث يأخذ عليها الابتعاد عن المبادئ التأسيسية للحزب، والسير على الخط نفسه الذي رسمه خليفته محسن بلعباس، المتهم في نظر سعدي بـ«إبرام خريطة طريق» مع قيادات حركة «رشاد الإسلامية» خلال فترة الحراك الذي دفع الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة إلى التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.




