حتى وقتٍ قريب، كانت جزر كاب فيردي أو “الرأس الأخضر”، مجرد نقطةٍ صغيرة تكاد لا تراها العين على خريطة المحيط الأطلس.
بلد تعداد سكانه بالكامل لا يتخطى الـ 600 ألف نسمة، يشارك في تصفيات إفريقيا ويفشل في الصعود، ولكن عامًا تلو آخَرَ، بدأ يعرفه الجميع.
ولأن في كرة القدم، المساحات والخرائط تُكتب بالأقدام، وليس بالكيلومترات أو التعداد السكاني، صنع كاب فيردي ملحمةً في كأس العالم 2026، وخرج أمام حامل اللقب، ليسحب الأضواء قليلاً من ليونيل ميسي.
دخل منتخب كاب فيردي بطولة كأس العالم في مجموعةٍ تضم إسبانيا بطل أوروبا، وأوروجواي بطل العالم مرتين من قبل وأحد القوى العظمى في أمريكا الجنوبية، والأخضر السعودي الذي يتصدر التصنيفات الآسيوية دائمًا.
ودّع المنتخب الأزرق البطولة، نعم، لكنهم غادروها برأسٍ مرفوعة، تاركين خلفهم قصةً تروى للأجيال القادمة، لمنتخبٍ لم يأتِ ليمثل دور الضحية أو يكتفي بالظهور المشرّف، بل جاء ليُعطي درساً في كيف تُلعب كرة القدم الحديثة بلا خوف.
تعادل منتخب كاب فيردي في المباريات الثلاث في المجموعات، وقدم ملحمةً أمام منتخب إسبانيا بقيادة حارسه المخضرم فوزينيا الذي عرفه العالم، وأصبح يتابعه الملايين.
فبينما كان صغر تعداد السكان عائقاً، حوّلت الدولة “الشتات” إلى منجمِ ذهب، وبدأ اللاعبون يتهافتون لتمثيل كاب فيردي بدلاً من البرتغال وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية.
أبرز ما يميز كاب فيردي مؤخراً، وسر التحول الحقيقي، هو التنقيب الذكي، من خلال البحث عن كل موهبةٍ تحمل هذه الجينات في أزقة لشبونة وروتردام.
ثم بعد ذلك، من خلال الإقناع، ببناء مشروعٍ كروي يحترم اللاعب ويشعره بالفخر بتمثيل جذوره، والتنوع الخططي من خلال مزيجٍ فريدٍ بين المهارة الفطرية للاعب الإفريقي، والتكتيك الأوروبي الصارم لهؤلاء اللاعبين في الأكاديميات العالمية.
اقرأ ايضا: جدول ترتيب الدوري المغربي بعد الجولة 29
مع مرور الوقت، كان منتخب كاب فيردي في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا في النسخة قبل الماضية، وخرجوا ضد جنوب إفريقيا بركلات الترجيح، وتصدروا مجموعةً ضمت مصر وغانا وموزمبيق.
في تصفيات كأس العالم تصدروا مجموعةً ضمت الكاميرون وليبيا وأنجولا، وبفارق 6 نقاطٍ عن الأسود غير المروضة، والذين لم يتمكنوا من التأهل إلى المونديال.
في هذه البطولة، لم نُشاهد منتخب القروش الزرقاء يدافع فقط أمام كبار العالم، ولم نراهم يعتمدون على العشوائية أو تشتيت الكرة. ما قدموه كان كرة قدمٍ ممتعةً بقيادة المدرب بوبيستا.
لعب كاب فيردي كرة قدمٍ حديثةً، من خلال البناء من الخلف، التمرير القصير السريع، التحولات الهجومية الخاطفة، والشجاعة في مواجهة أي منافسٍ مهما كان اسمه.
لعبوا بشخصية بطل، فرضوا أسلوبهم، وأثبتوا أن التكتيك المنظم يذيب أي فروقٍ فردية أو تاريخية، وهو ما يفسر الدموع التي انهمرت من لاعبي القروش وجماهيرهم عقب الخروج من بطل العالم في الوقت الإضافي.
المعروف دائمًا عن زلاتان إبراهيموفيتش أنه مغرور في تصريحاته، وليس من السهل أن ينهال بالإشادة على لاعبٍ أو مدربٍ أو فريق، لكنه فعل ذلك مع الرأس الأخضر
قال زلاتان في تصريحاته عقب خروج كاب فيردي، إنه كاد أن يبكي بعد خروجهم من كأس العالم، ووقف في الاستوديو التحليلي لشبكة “فوكس سبورت” يصفق للقروش ويؤكد أنهم مفاجأة المونديال.
لقطة الوداع لمنتخب كاب فيردي لم تكن حزينةً بقدر ما كانت ملهمةً. دموع اللاعبين لم تكن انكساراً، بل كانت دموع فخرٍ برحلةٍ تمنوا لو طالت أكثر، لأنهم شعروا أنهم لم يكونوا أقل من أي فريقٍ آخر.
خرجت كاب فيردي من المنافسة، لكنها ثبتت أقدامها كقوةٍ كرويةٍ صاعدة تُحترم، وقدمت قصة تُدرّس للدول الصغيرة: كيف تصنع من قلة الإمكانيات حالةً كرويةً مبهرةً؟




