في كل أربع سنوات، تتحول كرة القدم إلى اللغة المشتركة التي يتحدث بها العالم؛ تتوقف الأعمال، تمتلئ المقاهي، وتُرفع الأعلام على الشرفات والأسطح احتفالًا بمنتخب أو نجم مفضل.
لكن خلف هذه الأجواء الصاخبة، تكشف بعض القصص وجهًا أكثر قتامة للعبة الشعبية الأولى في العالم؛ وجهًا لا تُحسم فيه النتائج بالأهداف أو ركلات الترجيح، بل تُدفع فيه أرواح بشرية ثمنًا للتعصب والانفعال المفرط.
كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تنتهي بجريمة قتل أو حالة انتحار؟ ولماذا سقط 11 شخصًا قتلى في بنجلاديش خلال كأس العالم 2026 بسبب أحداث مرتبطة بالبطولة؟
في الليلة التي واجه فيها منتخب الأرجنتين نظيره المصري الأسبوع الماضي ضمن الدور الـ16 من كأس العالم، كان شريف الإسلام، وهو سائق يبلغ من العمر 38 عامًا، يجلس على مقهى بسيط في مدينة كوميلا ببنجلاديش لمشاهدة المباراة.
مع إهدار النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي لركلة جزاء، التفت شريف إلى شاب يقف بجواره يشجع الأرجنتين، ومازحه ساخرًا بأن والد هذا الشاب نفسه لم يكن ليسجل تلك الركلة.
لم تتقبل عقلية المشجع المتعصب هذه المزحة؛ ففي غضون دقائق معدودة، تعرض شريف لضرب مبرح، وحين حاول الهروب والاحتماء بمكان قريب، لحقوا به واعتدوا عليه مجددًا حتى سقط أرضًا وفارق الحياة.
شريف، الذي انتقل إلى المدينة حديثًا مع زوجته وابنتيه بحثًا عن حياة أفضل ومدرسة جيدة لفتاتيه، فقد حياته بسبب مباراة لم تكن له فيها أي مصلحة حقيقية، فهو أصلًا كان يشجع منتخب البرازيل في السابق.
لم يكن شريف الضحية الوحيدة لهذا التعصب المفرط، بل انضم إلى قائمة تضم 11 شخصًا على الأقل لقوا حتفهم في بنجلاديش وحدها خلال منافسات كأس العالم 2026 الجارية؛ وتوزعت أسباب هذه الوفيات المأساوية لتشمل:
هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة؛ فقد وثقت دراسة طبية نُشرت عام 2024 عن كأس العالم 2022، وفاة 23 شخصًا، ودخول 35 آخرين إلى المستشفيات، وإصابة 45 شخصًا في بنجلاديش.
تصدرت حوادث السقوط أثناء رفع الأعلام أسباب الوفاة، تليها النوبات القلبية، ثم جرائم القتل الناتجة عن المشاجرات بين روابط المشجعين.
يفسر الباحثون هذه الظاهرة بأنها ناتجة عن شعور قوي بـ”الانتماء الجماعي”، حيث يتعامل المشجعون مع نجاحات وإخفاقات منتخبات تبعد عنهم آلاف الكيلومترات وكأنها تجارب وانتصارات شخصية بحتة.
قد يهمك أيضًا: شاهد – لاعبو البرازيل يهربون من مواجهة الإعلام بعد صدمة النرويج
هذا الارتباط العاطفي تضخمه منصات التواصل الاجتماعي التي توفر بيئة خصبة للتنمر الإلكتروني والتعصب الأعمى، والذي سرعان ما ينتقل إلى الشوارع في صورة مشاجرات دامية.
ولا يقتصر الخطر على العنف الجسدي، بل يمتد للصحة، فقد أثبتت دراسة ألمانية عقب كأس العالم 2006 أن معدل الإصابة بأزمات قلبية حادة بين المشجعين خلال المباريات الحاسمة يتضاعف، خاصة بين الرجال.
كما ترتبط نتائج كرة القدم بالصحة النفسية بشكل مباشر؛ فعلى سبيل المثال، شهدت بنجلاديش الأسبوع الماضي حادثة مأساوية أخرى حين أقدم شاب يبلغ من العمر 19 عامًا على الانتحار وترك خلفه ابنة صغيرة، بعد ساعات قليلة من مشاهدته لخروج منتخب البرازيل من البطولة رفقة والده وشقيقه اللذين يشجعان الأرجنتين.
وسط هذه الأحداث، قد يميل البعض إلى إلقاء اللوم على كرة القدم نفسها، لكن هذا التفسير يتناقض مع حقيقة أن مليارات البشر يتابعون نفس البطولة ويشهدون نفس الهزائم والانتصارات دون أن يلجؤوا للعنف أو إيذاء الذات.
كرة القدم هنا مجرد “شرارة”، وليست “السبب الجذري”.
تشير الإحصائيات إلى أن أغلب الضحايا هم من الشباب الذكور بمتوسط أعمار لا يتجاوز 20 عامًا، وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات مجتمعية أعمق حول التنشئة وكيفية تعليم الشباب التعامل مع خيبات الأمل، والإحباط، والغضب.
في العديد من المجتمعات، يُطلب من الرجال كبت مشاعر الحزن أو الضعف، ويُعتبر “الغضب” أو “العنف” الوسيلة الوحيدة المقبولة اجتماعيًا للتعبير عن الضيق والدفاع عن الشرف.
عندما تلتقي هذه الضغوط النفسية مع التعصب الكروي وحماس وسائل التواصل، تتحول المباريات إلى ساحات معارك.
لا يعني هذا أن نتجاهل دور الساحرة المستديرة، فهناك خطوات فورية يمكن اتخاذها لتقليل الخسائر، مثل:
ستنطلق صافرة النهاية لبطولة كأس العالم 2026 قريبًا، وستُطوى الأعلام، وتخفت حدة النقاشات الكروية ليتحول اهتمام العالم إلى أمور أخرى.
لكن الأرواح التي أُزهقت يجب أن تترك لنا درسًا قاسيًا؛ وهو أن منع مآسي المونديال القادم يتطلب معالجة مجتمعية عميقة، وتعليم الأجيال القادمة كيف يتقبلون الهزيمة بروح رياضية، وأن يدركوا جيدًا أن كرة القدم مهما بلغت إثارتها، تظل في النهاية مجرد لعبة لا تستحق أن ندفع حياتنا، أو حياة الآخرين، ثمنًا لها.




