لم يكن وداع نيمار دا سيلفا جونيور في ممر ملعب أوسلو أو تحت أضواء ريو دي جانيرو الصاخبة، بل جاء كصدمة باردة في ليلة من ليالي كأس العالم 2026، وتحديدًّا في الخامس من يوليو، عندما أطلق الحكم صافرة نهاية مباراة البرازيل ضد النرويج في دور الستة عشر.
وقف نيمار وحيدًّا وسط عشب الملعب، يدرك تمامًّا أن تلك الركلة الترجيحية المتأخرة التي سجلها لم تكن سوى سطر أخير في كتاب حزين صِيغَت فصوله الأخيرة بالدموع والخذلان.
أعلن الهداف التاريخي للسيليساو اعتزاله الدوليّ رسميًّا، ليسدل الستار على مسيرة دامت ستة عشر عامًّا، بدأت بصحب الموهبة الفذة التي وعدت باستعادة عرش كرة القدم، وانتهت بصمت انكسار جماعيّ لأمة ظنت أن ساحرها الصغير قادر على المشي فوق الماء.
بين العاشر من أغسطس 2010، يوم سجل الفتى النحيل ذو العرف المتمرد هدفه الأول ضد الولايات المتحدة، والخامس من يوليو 2026، تحولت سردية نيمار من أسطورة حية تصنع التاريخ إلى تراجيديا إنسانية ورياضية معقدة.
لم يكن نيمار مجرد لاعب كرة قدم؛ بل كان تجسيدًّا لآخر معاقل “الجوجا بونيتو” التي تلاشت تدريجيًّا تحت وطأة الاختيارات الشخصية، الإصابات اللعينة، ونمط الحياة الذي انتصر فيه صخب الاحتفالات على صرامة الاحتراف.
إنها قصة صعود مذهل وسقوط تراجيديّ، يضعنا أمام السؤال الأكثر مرارة في تاريخ الكرة البرازيلية الحديث: كيف تحول الوريث الشرعي لبيليه إلى رمز للإحباط والفرص الضائعة؟
قبل أن نغوص في تفاصيل الخريف الكرويّ لنيمار، يفرض المنطق الإحصائي لنفسه كجدار منيع يصعب تجاهله؛ فالرجل لا يغادر المشهد الدوليّ كلاعب عاديّ، بل يتركه وهو متربع على عرش الهدافين التاريخيين لبلاده، متجاوزًّا أساطير بحجم بيليه، ورونالدو نازاريو، وروماريو.
كانت مسيرته مع السيليساو في بدايتها انفجارًّا مبكرًّا من الإبداع الخالص؛ إذ قاد البرازيل للتتويج بكأس القارات عام 2013 بأداء استثنائيّ هدم فيه الحصون الإسبانية، ثم منح بلاده الذهب الأولمبي المستعصي عام 2016 في ريو دي جانيرو، محققًّا حلمًّا شعبيًّا طال انتظاره أزال به غصة “الماراكانازو” الجديدة.
تلك الفترة الذهبية رسمت ملامح قائد حقيقيّ قادر على حمل آمال قارة بأكملها على كتفيه، حيث كان نيمار يمثل الأمل والمستقبل، وكانت كل لمسة من قدمه تعد بسحر خاص يعيد الهيبة لقميص البرازيل الأصفر، ولتوضيح حجم هذه العبقرية الرقمية قبل السقوط المدوي، نستعرض لوحة الشرف الخاصة بمسيرته الدولية:
إذا أراد المؤرخون تحديد اللحظة الدقيقة التي بدأ فيها قطار نيمار بالانحراف عن مساره الأسطوريّ، فإن صيف عام 2017 يبرز كعلامة فارقة لا يمكن تخطيها.
الانتقال القياسيّ إلى باريس سان جيرمان مقابل 222 مليون يورو لم يكن مجرد صفقة مالية ضخمة هزت أركان اللعبة، بل كان قرارًّا وجوديًّا اختار فيه نيمار الخروج من ظل ليونيل ميسي في برشلونة ليصنع مجده الخاص ويفوز بالكرة الذهبية.
تصفح أيضًا: نبأ سار لبرشلونة بشأن أزمته المالية بعد رحيل نجومه
لكن، ويا للمفارقة التراجيدية، تحول هذا الهروب إلى بداية النهاية؛ إذ افتقد نيمار في العاصمة الفرنسية البيئة الرياضية الصارمة التي تحميه من اندفاعه، وتحول تدريجيًّا من مشروع “أفضل لاعب في العالم” إلى واجهة لمشروع تجاريّ وترفيهيّ فضفاض.
في باريس، بدأت تظهر ملامح النجم المستثنى من القواعد، وصارت السهرات الصاخبة والاحتفالات المبالغ فيها عنوانًّا ثابتًّا في الصحافة العالمية، ولعل قصة الغياب المتكرر في شهر مارس من كل عام للاحتفال بعيد ميلاد شقيقته تلخص أزمة الأولويات التي عقبت هذا الانتقال.
لم يكن نمط الحياة هذا تفصيلًّا هامشيًّا، بل كان معولًا هدم جسده من الداخل؛ فالأوتار والعضلات لا تسامح السهر ونقص الانضباط البدنيّ، مما جعل نيمار فريسةً سهلةً لسلسلة من الإصابات المزمنة في الكاحل ومشط القدم، وهي نفس الإصابات التي حرمت البرازيل من نسخته الأفضل في المحافل المونديالية الكبرى.
التمهيد لكأس العالم 2026 كان يحمل في طياته نذر النهاية الحزينة التي شهدناها؛ فنيمار لم يرتدِ قميص البرازيل في مباراة رسمية منذ أكتوبر 2023، وتحديدًّا منذ تلك الليلة المشؤومة ضد أوروجواي في تصفيات كأس العالم، عندما غادر الملعب باكيًّا بعد 45 دقيقةً فقط إثر إصابة قاسية بتمزق في الرباط الصليبيّ.
دخل اللاعب بعدها في نفق مظلم من التأهيل المتعثر، والغياب الطويل عن المنافسة، وفقدان الجاهزية البدنية، حتى ظن الكثيرون أن حكايته مع السامبا قد كتبت فصولها الأخيرة بالفعل خلف أبواب العيادات الطبية.
ومع ذلك، قرر المدير الفني الإيطالي كارلو أنشيلوتي المراهنة على عامل الخبرة والتاريخ، فاستدعاه لقائمة مونديال 2026 رغبةً في إيجاد قائد روحيّ يقود الجيل الشاب، لكن الجسد المنهك خان النوايا مجددًّا، إذ تعرض نيمار لإصابة عضليّة جديدة قبيل انطلاق البطولة بأيام قليلة حالت دون مشاركته أساسيًّا.
انتظر الجميع معجزةً كرويةً لم تأتِ؛ حيث عاد نيمار بديلًا في ختام دور المجموعات ضد اسكتلندا ليشارك لمدة 14 دقيقةً باهتةً، ثم دفع به أنشيلوتي كبديل بروح مثقلة ضد النرويج لمدة 23 دقيقةً لعله ينقذ الوطن من المقصلة.
ورغم أنه نفذ ركلة جزاء بنجاح في الأنفاس الأخيرة مسجلًا هدفه الدولي الثمانين، إلا أن الهدف جاء كمرثية حزينة لعجز البرازيل ضد الانضباط النرويجي، مؤكدًّا أن السحر قد تبخر تمامًّا ولم يتبقَ منه سوى الاسم.
تكمن مأساة نيمار جونيور في أنه حقق كل شيء على ورق الإحصائيات، لكنه ترك شعورًّا طاغيًّا بالخسارة وبقايا حسرة لدى عشاق كرة القدم؛ لقد تجاوز بيليه في عدد الأهداف، لكنه لم يقترب يومًّا من مكانته في قلوب البرازيليين كرمز للفوز والكمال الكرويّ الذي لا تشوبه شائبة.
رحيل نيمار معلنًّا اعتزاله الدولي يمثل نهاية حقبة كاملة في تاريخ اللعبة؛ حقبة اللاعب الفردي الاستعراضي الذي يلعب من أجل المتعة الذاتية والصحب، لينحني في النهاية أمام كرة قدم حديثة وصارمة لا ترحم من لا يمنحها كل جسده وعقله.
سيتذكره التاريخ دائمًّا باعتباره عبقريةً عذبتها الاختيارات غير المدروسة، وظاهرةً كرويةً فريدةً بدأت بوعد معانقة السماء، وانتهت بدموع باردة خلف أسوار دور الـ16 في مونديال أميركا الشمالية.
