في الأزياء الراقية، لا تُقاس قيمة المجموعة بعدد الإطلالات، بل بالتفاصيل التي تبقى عالقة في الذاكرة بعد انتهاء العرض. وخلال اليوم الثالث من أسبوع الموضة في باريس للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026 – 2027، برهنت أبرز دور الأزياء العالمية أن الهوت كوتور لا يزال مساحة للخيال والإبداع والحرفية المطلقة. فمن مسرح يروي قصة أسطورية، إلى منصة تحتفي بإرث فني خالد، وصولاً إلى تصاميم تعيد قراءة التاريخ بعيون معاصرة، برزت تفاصيل صغيرة صنعت الفارق، وحولت كل عرض إلى تجربة بصرية متكاملة.
في مجموعته الثانية للأزياء الراقية لدار شانيل، اختار ماتيو بلازي أن يروي قصة تتجاوز حدود الموضة، مستلهماً عالماً خيالياً انطلق من كتاب قديم للحكايات عُثر عليه في منزل غابرييل “كوكو” شانيل. ولم يقتصر هذا الخيال على ديكور العرض، بل امتد إلى أدق تفاصيل التصاميم، التي بدت وكأنها خرجت من صفحات قصة مصورة.
فقد حضرت الزهور الضخمة والتطريزات النباتية والأزرار المستوحاة من الحشرات كعناصر زخرفية تنبض بالحياة، فيما أخفى بلازي مفاجآت داخل بعض القطع، مثل بطانات الجاكيتات المزينة برسومات يدوية، أو التطريزات التي تحاكي ملاحظات ورش الأزياء، في احتفاء جميل بالحرفيين الذين يقفون خلف كل قطعة كوتور.
أما الإكسسوارات، فكانت الأكثر مرحاً هذا الموسم، مع حقائب “ميناوديير” مصغرة جاءت على هيئة دجاجة أو دب نائم، وأحذية نحتت كفراشات أو بيض ذهبي، لتؤكد أن الإبداع في شانيل لا يتوقف عند الملابس، بل يمتد إلى كل تفصيل صغير.
وجاءت النهاية غير المتوقعة للعرض لتمنح المجموعة بعداً درامياً، إذ ظهر فستان أسود مكشوف الكتفين بعد إطلالة الزفاف التقليدية، في إشارة ذكية إلى حياة كوكو شانيل الشخصية، ليختتم بلازي عرضه برسالة تجمع بين الخيال والواقع في آن واحد.
شانيل الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Chanel
شانيل الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Chanel
اختار ستيفان رولاند أن يجعل من مجموعته أكثر من مجرد عرض أزياء، فحوّلها إلى تحية إنسانية وفنية للمغنية الفرنسية الراحلة داليدا. ولم يكن اختيار مسرح الأولمبيا، الذي ارتبط بأبرز حفلاتها، مجرد موقع للعرض، بل جزءاً من القصة التي أراد المصمم روايتها.
هيمنت درجات الأبيض على المنصة، في انعكاس للنقاء والرقي اللذين ارتبطا بصورة داليدا، بينما جاءت القصات بين الانسيابية والمنحوتة لتجسد شخصيتها التي جمعت القوة والرهافة. وزادت الأقمشة الفاخرة، من الكريب والأورغانزا إلى الساتان والشيفون، من الإحساس بخفة التصاميم، فيما أضفت الأحجار الكريمة والكريستالات والعقيق الرمادي بريقاً هادئاً بعيداً عن المبالغة.
وبرزت الكابات الطويلة، والفساتين المشدودة بالكورسيه، والأحجام النحتية كعناصر منحت العرض طابعاً مسرحياً راقياً، بينما أكملت المجوهرات المرصعة بالألماس الأصفر والأسود وتسريحات الشعر المستوحاة من داليدا المشهد البصري.
لكن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت مع ختام العرض، عندما صدحت أغنية “حلوة يا بلدي” بصوت أميمة طالب، ليتحول العرض إلى مساحة تستحضر الذكريات وتؤكد أن الموضة قادرة على حفظ الإرث الفني بقدر ما تحتفي بالجمال.
نوصي بقراءة: سيلينا غوميز بفستان أسود شفاف من Oscar de la Renta في عشاء بروفة زفاف تايلور سويفت
ستيفان رولاند الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Stephane Rolland
ستيفان رولاند الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Stephane Rolland
قدمت دار Yanina Couture رؤية مختلفة للتاريخ، بعيداً عن إعادة نسخه كما هو، إذ أعادت يوليا يانينا قراءة الأزياء التاريخية من منظور معاصر، لتصبح كل قطعة حواراً بين الماضي والحاضر.
استلهمت المصممة تفاصيلها من معاطف النبلاء في القرن الثامن عشر، والكورسيهات الملكية، والفساتين الضخمة التي ميزت القرن التاسع عشر، لكنها أعادت صياغتها بخطوط أكثر انسيابية تناسب المرأة المعاصرة، لتتحول الجرأة إلى مرادف للثقة بالنفس لا للمبالغة.
وبرزت الزخارف النباتية المنفذة يدوياً كأحد أجمل تفاصيل المجموعة، حيث جسدت أزهار الكوبية، وزنبق الوادي، وأزهار التفاح، والأقحوان، في تطريزات ثلاثية الأبعاد أظهرت المستوى الاستثنائي من الحرفية الذي تشتهر به الدار.
ومن أكثر العناصر لفتاً للانتباه هذا الموسم، الأجنحة الناعمة التي أضيفت إلى بعض الإطلالات، مانحة الفساتين إحساساً بالحركة والخفة، فيما جمعت فساتين السهرة بين الفخامة المسرحية والرومانسية الهادئة، لتقدم صورة لامرأة تحتضن إرث الماضي، لكنها تعيش بثقة كاملة في الحاضر.
شهد اليوم الثالث من أسبوع باريس للهوت كوتور محطة مفصلية في تاريخ دار Balenciaga، مع الكشف عن أول مجموعة للأزياء الراقية يوقعها المدير الإبداعي Pierpaolo Piccioli منذ توليه قيادة الدار. وجاءت المجموعة بمثابة حوار بين إرث المؤسس Cristóbal Balenciaga ورؤية بيتشولي الإنسانية والشاعرية، التي لطالما ميزت مسيرته في عالم الموضة.
ولم يسعَ المصمم إلى إعادة إنتاج رموز الدار، بل أعاد قراءتها بمنظور معاصر، حيث تحولت الأزياء الراقية إلى مختبر يجمع بين النحت، والهندسة، والحرفية الدقيقة. وبرزت الألوان الوردية، التي أصبحت من السمات البصرية المرتبطة ببيتشولي، إلى جانب استخدام الريش بطريقة غير تقليدية بالتعاون مع صانع القبعات الشهير Philip Treacy، إذ لم يعد الريش مجرد عنصر زخرفي، بل أصبح جزءاً من البناء المعماري للتصميم.
وتنقلت المجموعة بين فساتين شفافة مزودة بأغطية للرأس، وتنانير ضخمة، وبدلات أعيد دمجها مع عناصر مستوحاة من فساتين السهرة، إضافة إلى جمبسوتات جريئة بقصات عميقة. ومن خلال هذه التصاميم، أعاد بيتشولي صياغة العلاقة بين الجسد والملبس، محافظاً على الهوية النحتية التي أرساها بالنسياغا، مع إضفاء حس أكثر نعومة وانسيابية، لتبدو كل إطلالة وكأنها منحوتة معاصرة تنبض بالحركة والحياة.
بالنسياغا الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Balenciaga
بالنسياغا الأزياء الراقية خريف وشتاء 2026 – 2027 Balenciaga

