
يواصل معلمو ليبيا الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب. ورغم نفي «حراك المعلمين» تأجيل العام الدراسي إلى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وتأكيده استئناف الدراسة فور الاستجابة لمطالبه المالية، أحدثت الشائعة التي انتشرت خلال اليومين الماضيين، تأثيراً في البلاد.
وبحسب مراقبين، فإن «طول الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر، والخوف من امتداده، تسببا في قلق لأولياء الأمور من ضياع العام الدراسي، فتراجع تعاطف الشارع نسبياً مع (الحراك)، بل ذهب البعض إلى توجيه انتقادات تتهم قادته باستخدام مستقبل الطلاب ورقة ضغط في خلافهم مع السلطات».
وانعكس ذلك الاحتقان الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي عبر هاشتاغات مثل: «#افتحوا_المدارس»، وأخرى تظهر الطالب ضحية للصراع، وأصوات تشكك في كفاءة بعض المضربين.
ووضعت هذه الضغوط «حراك المعلمين» في موقف دفاعي، فأصدر بيانات للتبرئة من تهمة «تجهيل الطلاب» خصوصاً أبناء الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل في المدارس الحكومية المشمولة بالإضراب، نظراً لانتظام العمل في المدارس الخاصة لأبناء الميسورين.
وتدرجت المواقف المنددة بتوقف الدراسة بين من ركز على تداعياتها العامة، ومن حمل المسؤولية مناصفة، بين المعلمين والحكومتين المتنازعتين على السلطة في شرق البلاد وغربها، إضافة إلى من ألقى اللوم كله على الحراك «لتجاوزه العمل النقابي».
وقفة احتجاجية أمام «مراقبة التربية والتعليم» في تاجوراء بغرب ليبيا (حراك المعلمين)
المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، انتقد عبر «فيسبوك» توقف الدارسة. بينما وصف رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية» خالد بو زعكوك، تعطيل الدراسة بـ«الجريمة التاريخية وغير المسبوقة في أي دولة»، مضيفاً أن «الطلاب ومستقبلهم ضحية للتعنت في تلبية مطالب المعلمين من جانب، وإضراب المعلمين من جانب آخر».
وحذر مدرب كرة القدم جمال بنور من «الأبعاد التربوية، كنسيان الطالب ما تعلمه وضعف مهاراته الأساسية»، ووصف التعطيل بأنه «كارثة اجتماعية تدفع الطلاب خصوصاً مَن في سن المراهقة، إلى السهر ليلاً والنوم نهاراً، وقضاء الساعات أمام الهواتف».
أما الباحثة والناشطة انتصار القليب فدعت عبر صفحتها بـ«فيسبوك» إلى «رفع دعوى قضائية مستعجلة ضد كل من يعرقل فتح المدارس دون مسوغ قانوني»، مؤكدة: «لن نقبل أن يكون أطفالنا رهائن الخلافات».
وهاجم أولياء أمور خلال الساعات الماضية «حراك المعلمين»، لكن رئيس «حراك المعلمين» أشرف الهادي، أكد «التمسك بالمطالب المرفوعة قبل شهر ونصف الشهر، التي بدأت اعتصاماً أمام المدارس، ثم صعدت بعد أسبوعين إلى إضراب مفتوح شمل المدارس الحكومية كلها»، مشدداً على أن «عودة الدراسة مرهونة بالاستجابة لها».
اقرأ ايضا: سحر صدقى: اجتماع الرئيس بمدبولى ووزير المالية يعكس متابعة دقيقة لملفات الاقتصاد
وقال الهادي لـ«الشرق الأوسط»، إن «مطالبنا وحقوقنا معززة بأحكام قضائية صدرت منذ سنوات، بصرف الفروقات المالية المتأخرة للعاملين بالقطاع من 2018 إلى 2021».
وأفاد بأن «متوسط رواتب غالبية المعلمين يتراوح بين 1600 و1700 دينار شهرياً، وهم قرابة 600 ألف مدرس، ويشكل أبناؤهم الغالبية بتلك المدارس أي أنهم أول المتضررين».
وعن أثر التأخر في التحصيل الدراسي، أوضح الهادي: «مررنا بهذا السيناريو سابقاً بسبب تأخر الكتاب المدرسي والصراعات المسلحة وجائحة (كورونا)، وتجاوزناه بحكمة، ونحن قادرون على تكراره إذا استجيب لحقوقنا».
وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.
مدارس مغلقة في العاصمة الليبية استجابة للإضراب (حراك المعلمين بالقره بوللي)
وأشار الهادي إلى ما أبداه «الحراك» من «مرونة، بالموافقة على تقسيم الفروقات المالية المستحقة إلى دفعات لعدم إرهاق ميزانية الدولة، شريطة تحديد المدة الزمنية وقيمة الدفعة». ولفت إلى «تضمن مطالبهم جدول رواتب موحداً يحقق العدالة». ويشير إلى أن جدول الرواتب الذي أصدرته حكومة «الوحدة» أخيراً «لم يلب طموحات المعلمين، وهم ينتظرون جدولاً موحداً من البرلمان بعد أيام قليلة».
وقال إن «الإضراب حق مشروع مكفول نقابياً ومعزز بأحكام قضائية». وحذر من أن «استمرار التجاهل والوعود المخدرة قد يضيعان العام الدراسي، وهو ما لا يريده المعلم أبداً».
ووفقاً لمنصة «المؤشرات التربوية بوزارة التربية والتعليم» في طرابلس، يبلغ عدد طلاب التعليم قبل الجامعي نحو 2,665,374 طالباً، يستقطب التعليم الخاص قرابة 26 في المائة منهم.
ويرى المحلل السياسي الليبي حسام فنيش أن «استمرار الإضراب أثار قلق بعض الأسر من شبح (العام الأبيض)، فتراجع التعاطف بدرجة ما مع (حراك المعلمين)، وظهرت مشادات، وإن لم تتسع بعد، بين المدرسين والأهالي عبر منصات التواصل».
إلا أن فنيش عاد ليشير إلى أن «اللوم الأكبر لا يزال على السلطة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «قطاع التعليم يضم قرابة ثلث العاملين بالدولة؛ فلكل بيت ليبي ابن أو قريب ينتمي للمهنة، فضلاً عن إدراك الجميع أن الرواتب لم تعد تكفي في ظل الغلاء وبلوغ الدولار نحو 10 دنانير في (السوق الموازية)».
وأمام الانسداد، طرح «الاتحاد العام لطلبة ليبيا» مبادرة لاستئناف الدراسة في المدارس العامة بنظام «الدوام الجزئي» لضمان عدم ضياع المناهج، مع استمرار احتجاج المعلمين، دون تعطيل الفصول تماماً.





