لم تكن خطوة انتقال محمد محزري إلى نادي الهلال مجرد صفقة عادية لتدعيم مركز الظهير الأيمن، بل كانت بمثابة استثمار مدروس في لاعب يمتلك خصائص فنية مختلفة، وقدرة على أداء أكثر من دور داخل الملعب، بعدما نجح في تحويل مركز الظهير الأيمن من مهمة دفاعية تقليدية إلى مساحة للمساهمة في بناء اللعب وصناعة الفرص، دون التفريط في واجباته الدفاعية.
وبدأت حكاية محزري من الفئات السنية في نادي الاتفاق، حيث تدرج في مراحل الناشئين والشباب، قبل أن يخوض تجربة مع الفريق الأول بنادي التعاون منحته فرصة أكبر لإظهار إمكاناته، خصوصاً أنه يمتلك في الأساس خصائص لاعب المحور الدفاعي والمحور المتقدم، وهما مركزان أسهما في تكوين شخصيته الفنية ومنحاه القدرة على قراءة تحركات المنافسين والتعامل مع المساحات والضغط.
ومع التعاون، بدأت ملامح لاعب مختلف تتشكل، بعدما وجد نفسه أمام تحدٍ جديد تمثل في شغل مركز الظهير الأيمن. ولم تكن المهمة سهلة، لكن اللاعب استطاع التأقلم مع متطلباتها، مستفيداً من قدرته على قراءة اللعب والتدخل في التوقيت المناسب، إلى جانب جودة التمرير والهدوء في التعامل مع الكرة. وقدم مستويات لافتة جعلته أحد الأسماء التي جذبت اهتمام الأندية الكبرى.
وجاء الهلال في مقدمة المهتمين بالحصول على خدماته خلال فترة الانتقالات الصيفية، لتدخل المفاوضات بين إدارتي الهلال والتعاون مراحل متعددة، وسط تعقيدات كادت تعطل الصفقة في مراحلها الأخيرة، إلا أن رغبة اللاعب الكبيرة في ارتداء القميص الأزرق وتمسكه بخوض التجربة الجديدة أسهما في تقريب وجهات النظر، حتى نجحت إدارة الهلال في تلبية المطالب وإنهاء التعاقد معه.
وكان الهلال يبحث عن لاعب قادر على شغل الجبهة اليمنى بعد مرحلة سعود عبد الحميد، ثم البرتغالي جواو كانسيلو، وهي مهمة لم تكن مرتبطة فقط بتوفير لاعب في المركز، بل بإيجاد عنصر يستطيع التعامل مع متطلبات فريق ينافس على أكثر من بطولة، ويواجه أجنحة على مستوى عالٍ من السرعة والمهارة.
النجم الشاب يجيد اللعب في أكثر من مركز (تصوير: سعد العنزي)
ولم يحتج محزري إلى فترة طويلة لإثبات قدرته على تقديم الإضافة، إذ بدأت أرقامه تعكس حجم العمل الذي يقدمه داخل الملعب، سواء في التغطية الدفاعية أو المساهمة في بناء الهجمات.
ووفقاً للإحصاءات المنشورة لموسم 2026 – 2027، خاض محزري 11 مباراة في دوري روشن، بمجموع 948 دقيقة، وبلغت دقة تمريراته 87.3 في المائة، بعدما نفذ 406 تمريرات ناجحة، إلى جانب 22 افتكاكاً للكرة، و9 اعتراضات، و62 استعادة للكرة، فضلاً عن 53 مساهمة دفاعية.
ولم تتوقف أرقامه عند الجانب الدفاعي، بل امتدت إلى صناعة اللعب، إذ سجلت الإحصاءات 82 تمريرة كاسرة للخطوط، وصنع 15 فرصة، بينها 7 فرص كبيرة، وقدم تمريرتين حاسمتين، في مؤشر على قدرته على تجاوز الدور التقليدي للظهير والمساهمة في صناعة الخطورة الهجومية.
هذه الأرقام تكشف عن لاعب لا يكتفي بإبعاد الخطر عن منطقته، بل يمتلك القدرة على تحويل الاستحواذ الدفاعي إلى بداية لهجمة جديدة، من خلال دقة التمرير والقدرة على اختيار المساحة المناسبة، وهي خصائص ترتبط إلى حد كبير بخلفيته كلاعب محور.
لعل أبرز ما يميز محزري هو قدرته على التعامل مع المواجهات الفردية أمام الأجنحة، خصوصاً في المباريات التي يواجه فيها الهلال لاعبين يمتلكون السرعة والمهارة والقدرة على تغيير الاتجاه.
قد يهمك أيضًا: «التحالف»: تدمير صاروخ باليستي حوثي أُطلق باتجاه الرياض
ففي مركز الظهير الأيمن، لا تكفي السرعة وحدها للنجاح، بل يحتاج اللاعب إلى قراءة تحركات الجناح المنافس، وإغلاق المساحات، ومعرفة متى يتقدم للضغط ومتى يتراجع لحماية المنطقة الدفاعية. وهنا تظهر أهمية الخلفية التي اكتسبها محزري في مركز المحور، إذ تمنحه فهماً جيداً للمساحات والتحولات، وتساعده على اتخاذ القرار المناسب في المواقف الدفاعية.
كما أن قدرته على اللعب في أكثر من مركز تمنح الجهاز الفني خيارات تكتيكية إضافية، سواء بالاعتماد عليه ظهيراً أيمن، أو الاستفادة منه في أدوار وسط الملعب عند الحاجة، الأمر الذي يجعل وجوده مكسباً يتجاوز حدود المركز الذي يشغله في التشكيلة.
صفقة محزري والهلال واجهت تعقيدات كادت تفشلها (نادي الهلال)
ما يقدمه محزري مع الهلال يفتح الباب أمام قراءة أوسع لقيمة الصفقة، فالأندية الكبرى لا تبحث دائماً عن اللاعب صاحب الاسم الأكثر بريقاً، بل تحتاج أيضاً إلى عناصر قادرة على أداء الأدوار المطلوبة بكفاءة واستمرارية، خصوصاً في موسم تتعدد فيه الاستحقاقات المحلية والقارية.
كما أن قدرته على اللعب في أكثر من مركز تمنح الجهاز الفني خيارات تكتيكية إضافية، سواء بالاعتماد عليه ظهيراً أيمن، أو الاستفادة منه في أدوار وسط الملعب عند الحاجة، الأمر الذي يجعل وجوده مكسباً يتجاوز حدود المركز الذي يشغله في التشكيلة.
لم تكن رحلة محمد محزري في ملاعب كرة القدم مفروشة بالورود، بل مرت بمحطات صعبة اختبرت قدرته على الصبر والإصرار، بعدما تعرض خلال مسيرته لإصابتين في الرباط الصليبي على مستوى الركبة، في واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يواجهها لاعب كرة القدم، خصوصاً في مرحلة يسعى فيها إلى تثبيت أقدامه وصناعة اسمه بين نجوم اللعبة.
ورغم قسوة الإصابتين وطول رحلة التعافي والعودة إلى الملاعب، نجح محزري في تجاوز تلك المرحلة، متمسكاً بحلمه في مواصلة مسيرته الكروية، ليقدم نموذجاً للاعب الذي لم تسمح له الظروف الصعبة بالتخلي عن طموحاته، بل جعل منها دافعاً إضافياً للعودة والمنافسة.
فمن إصابتين في الرباط الصليبي إلى التألق في مركز الظهير الأيمن، يكتب محمد محزري فصلاً مختلفاً في مسيرته، عنوانه أن الموهبة وحدها لا تصنع النجوم، بل يحتاج الطريق إلى الصبر والعمل والقدرة على النهوض ومواصلة الحلم.
ومع تصدر الهلال المنافسة المحلية، وحضوره في دوري أبطال آسيا للنخبة، تبدو أهمية العناصر التي تمنح الفريق التوازن الدفاعي والهجومي أكثر وضوحاً. ومحزري أحد الأسماء التي يمكن أن توفر هذا التوازن، بالنظر إلى قدرته على إيقاف خطورة المنافسين، والمشاركة في بناء اللعب، وتقديم حلول إضافية في وسط الملعب.
ولعل القيمة الأهم في تجربته أنه لم يصل إلى الهلال بوصفه لاعباً يبحث عن إثبات وجوده في مركز جديد فحسب، بل بوصفه لاعباً أعاد اكتشاف إمكاناته في مركز مختلف، مستفيداً من تكوينه السابق، ليصبح الظهير الذي يجمع بين عقلية لاعب المحور ومتطلبات الظهير العصري.
محمد محزري لم يعد مجرد بديل في حسابات الجبهة اليمنى، بل تحول إلى استثمار فني يراهن عليه الهلال، بعدما أثبت أن تعدد الأدوار والقدرة على قراءة الملعب قد يكونان أحياناً أهم من الأسماء الكبيرة.

