المشهد مألوف للجميع؛ تُطلق صافرة النهاية، فيتجه بطل المباراة نحو الحكم بثقة، يتسلم الكرة ليضعها تحت إبطه بابتسامة عريضة، ثم يطوف بها في غرفة خلع الملابس ليوقع عليها زملاؤه.
رأينا هذا المشهد يتكرر؛ ولعل آخره كان عندما نشر النجم المصري محمد صلاح صورة لكرة مباراة طرابزون سبور محتفلًا بـ”الهاتريك” المذهل الذي مزق به شباك جلطة سراي التركي.
لكن، هل سألت نفسك يومًا عن أصل هذه العادة؟ وهل يفرض قانون كرة القدم فعلًا منح الكرة لمن يسجل ثلاثة أهداف؟
الإجابة القاطعة والمفاجئة هي: لا؛ لا توجد مادة واحدة في قوانين مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) أو الفيفا تنص على أحقية اللاعب في الاحتفاظ بالكرة.
القوانين تتعامل مع الكرة كقطعة جماد من أدوات اللعب، لها مواصفات ومقاييس محددة لا أكثر.
إلا أن هذا الفعل تحول إلى “تقليد” كروي عريق وراسخ، لدرجة أن الحكام ومسؤولي الأندية أصبحوا يسلمون الكرة للاعب بأنفسهم كنوع من الاحترام، ليتحول هذا الشيء الدائري من مجرد أداة إلى تذكار يوثق إنجازًا استثنائيًا.
المفارقة العجيبة أن مصطلح “هاتريك” (Hat-trick) لا يمت لكرة القدم بصلة في جذوره، القصة بدأت أصلًا في ملاعب الكريكيت الإنجليزية، وتحديدًا في مدينة شيفيلد عام 1858.
خلال إحدى المباريات، نجح اللاعب إتش إتش ستيفنسون في تحقيق إنجاز بالغ الندرة بإسقاط ثلاث “ويكيتات” بثلاث رميات متتالية.
من فرط انبهار الجماهير بهذا السحر الرياضي، قاموا بجمع تبرعات عفوية لشراء قبعة (Hat) وتقديمها له كجائزة تقديرية.
تلقفت الصحافة الكلمة عام 1865، وبدأت أندية الكريكيت تعتمد تقليد تقديم قبعة لأي لاعب يكرر الإنجاز، ومن هنا وُلد مصطلح “هاتريك” أو “خدعة القبعة”.
في عام 1878، سجل اللاعب الاسكتلندي جون ماكدوجال أول ثلاثية دولية في شباك إنجلترا، لتستعير كرة القدم المصطلح وتتبناه.
نوصي بقراءة: ليس نونيز.. مهاجم الهلال يقترب من عملاق تركي
لكن نظرًا لعدم وجود “قبعات” تُوزع في ملاعب كرة القدم، أصبحت أداة الجريمة نفسها—كرة المباراة—هي الرمز البديل والخيار الأمثل للاحتفاء.
مع مرور الزمن، أُضيفت لمسة رائعة لهذا التقليد؛ حيث يقوم الزملاء بكتابة رسائل تهنئة وتوقيع أسمائهم عليها، ليتحول الإنجاز الفردي إلى احتفاء جماعي يحمله اللاعب معه إلى منزله.
استمر هذا العرف لأن تسجيل ثلاثة أهداف ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق؛ في الدوري الإنجليزي الممتاز مثلًا، لا نشاهد الهاتريك سوى 15 إلى 20 مرة طوال 380 مباراة في الموسم الواحد.
تزداد الصعوبة في المحافل الدولية؛ ففي تاريخ المباريات النهائية لكأس العالم، لم يسجل ثلاثية سوى الإنجليزي جيف هيرست عام 1966، والفرنسي كيليان مبابي عام 2022 في ليلة درامية خسر فيها اللقب، مما يثبت أن حتى الثلاثية لا تضمن الفوز دائمًا.
أما في عالم الأرقام القياسية، فيغرد الأساطير خارج السرب؛ تعترف موسوعة جينيس بالبرازيلي بيليه كصاحب الرقم الأكبر بـ 92 هاتريك (رغم أن نسبة كبيرة منها جاءت في مباريات ودية).
في العصر الحديث، يتصدر كريستيانو رونالدو المشهد بـ 66 هاتريك، يلاحقه ليونيل ميسي بـ 62 هاتريك، علمًا بأن العبقري الأرجنتيني يمتلك الرقم القياسي في الدوري الإسباني بـ 36 ثلاثية بقميص برشلونة.
الهاتريك المثالي.. ذروة الكمال الكروي
في عالم الساحرة المستديرة، ليست كل الثلاثيات متطابقة؛ فهناك ما يُعرف بـ”الثلاثية المثالية”، وهي أن يسجل اللاعب هدفًا بالقدم اليمنى، وآخر باليسرى، وثالثًا بضربة رأسية في نفس المباراة.
هذا الإنجاز يعكس تنوعًا مذهلًا في الترسانة الهجومية للاعب، ويُعد كريستيانو رونالدو من أبرز المتخصصين فيه خلال العصر الحديث، مما يبرز براعته الفنية كمهاجم متكامل.
تغيرت كرة القدم جذريًا منذ القرن التاسع عشر؛ تبدلت القوانين، وتطورت الخطط، وظهرت تقنيات الفيديو، وتضخمت حقوق البث بملايين الدولارات.
لكن وسط هذا التطور التكنولوجي والتجاري المجنون، صمد تقليد احتفاظ اللاعب بكرة المباراة دون الحاجة إلى قانون مكتوب، أو مكافأة مالية، أو لائحة صارمة.
سيظل هذا العرف الساحر تذكيرًا دائمًا بأن متعة كرة القدم الحقيقية لا تكمن فقط في القواعد الصارمة، بل في التقاليد العفوية النبيلة التي تصنع روح اللعبة وتاريخها.




