تسعى ليبيا لكسر العزلة الدبلوماسية المرتبطة بسنوات الاضطراب والانقسام، وتطمح لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة ومشروعات مشتركة، بالتزامن مع عودة المؤسسات القارية إلى طرابلس، والاستعداد لاستضافة «قمة إقليمية».
وتسارعت خُطى الدبلوماسية الليبية في هذا الاتجاه، الشهر الماضي، مع إعادة افتتاح مكتب الاتحاد الأفريقي في طرابلس بعد إغلاق دامَ 11 عاماً، في خطوة عدَّتها حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» خطوة تستهدف تنشيط التعاون المؤسسي، وتوسيع مشاركة ليبيا في البرامج القارية.
كما افتُتح في العاصمة الليبية مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد»، في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ لتعزيز التعاون في المجالات التنموية، وتوسيع فرص تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة، بما يدعم التنمية المستدامة والتكامل الأفريقي.
وتأتي الخطوتان في سياق سعي ليبيا لتعزيز موقعها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وطموحها بالفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028-2029 ضمن الحصة الأفريقية، وبما يراعي مبدأ التناوب الإقليمي بين دول شمال أفريقيا.
اجتماع تنسيقي بين مسؤولين ليبيين وأتراك ومفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن القمة المرتقبة في ديسمبر المقبل (وزارة الخارجية الليبية)
ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة تاريخ العلاقة الليبية بالعمل الأفريقي المشترك؛ فقد أسهم الرئيس السابق معمر القذافي في الدفع نحو تأسيس «الاتحاد» باستضافة «قمة سرت» في عام 1999، التي أطلقت مسار إنشائه، قبل اعتماد قانونه التأسيسي في عام 2000 وإطلاقه رسمياً في عام 2002.
ويرى الدبلوماسي الليبي، السفير عادل عيسى، أن عودة المؤسسات الأفريقية إلى طرابلس تمثل «مؤشرات إيجابية على عودة الاهتمام الأفريقي بليبيا»، وتتيح فرصة لإعادة تنشيط العلاقات بين الجانبين سياسياً وتنموياً، بعد سنوات تراجعت خلالها قدرة البلاد على التأثير في محيطها القاري.
ويقول عيسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة مع الاتحاد ينبغي أن تقوم على «شراكة متبادلة المصالح»، لا على استعادة النفوذ الليبي وحده.
ويوضح أن ليبيا تحتاج إلى عمقها الأفريقي، في حين تحتاج القارة إلى دولة مستقرة تسهم في معالجة التحديات المشتركة في الأمن والتنمية، والتعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي.
ومع ذلك، يبدو من الضروري التمييز بين استعادة الحضور المؤسسي واستعادة الدور السياسي، وفقاً لعيسى، الذي لفت إلى أن «عودة المكاتب الأفريقية إلى طرابلس خطوة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها تأثيراً في مواقف الاتحاد وقراراته، ما لم تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية».
وأضاف عيسى أن استعادة الدور الخارجي الليبي ترتبط بقدرة الدبلوماسية على بناء شراكات مستدامة، وتطوير علاقات متوازنة مع الدول الأفريقية، والمشاركة في صياغة المبادرات والقرارات المتعلقة بمستقبل القارة، بدلاً من الاكتفاء بعودة المؤسسات إلى العاصمة.
نوصي بقراءة: نزاع بين زوج وحماه حول دين يقدر بـ55 ألف دولار والمحكمة توجه “اليمين المتممة”
وعدَّ عيسى أن انتقال ليبيا من موقع تتقاطع فيه المبادرات والمصالح الدولية إلى دولة فاعلة في صياغة الأجندة الأفريقية «هدف ممكن»، لكنه يتطلب توحيد الرؤية الوطنية تجاه أفريقيا، وتعزيز المؤسسات الدبلوماسية، وتفعيل السفارات، والاستثمار في العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف.
وتتزامن هذه التحركات مع استعداد ليبيا لاستضافة القمة الرابعة للشراكة الأفريقية التركية، يومَي الثامن والتاسع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. واستضافت طرابلس اجتماعات تنسيقية بين ليبيا ومفوضية الاتحاد الأفريقي وتركيا، الشهر الماضي، تمهيداً للقمة المرتقبة.
وزير الخارجية المكلف بحكومة الوحدة الليبية الطاهر الباعور خلال حفل افتتاح مكتب منظمة الاتحاد الأفريقي في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
ومِن بين مجالات التعاون المقترحة على طاولة «القمة الإقليمية» الطاقة والاستثمار، وإعادة الإعمار والتجارة والتحول الرقمي. وتتيح الاستضافة لطرابلس مساحة دبلوماسية أوسع للتواصل مع الشركاء الأفارقة والأتراك.
وهنا يُوضح عيسى أن «ليبيا تمتلك مقوّمات جغرافية وسياسية واقتصادية تؤهلها لأداء دور في القارة، باعتبارها حلقة وصل بين شمال أفريقيا وعمقها الأفريقي، فضلاً عن ارتباط موقعها بقضايا الأمن الإقليمي والهجرة والتنمية، والتكامل الاقتصادي واستقرار منطقة الساحل والصحراء».
ويرى عيسى أن استثمار التطورات الحالية يمكن أن يساعد في إعادة بناء الثقة مع الدول الأفريقية، وتعزيز الحضور الليبي داخل مؤسسات الاتحاد، وفتح المجال أمام مشاركة أكثر فاعلية في قضايا القارة، شريطة توحيد الرؤية الدبلوماسية وتقديم مبادرات عملية.
في المقابل، يثير تجدد الحضور الأفريقي في طرابلس تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأفريقي على تنشيط دوره في تسوية الأزمة الليبية، بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى احتوائها.
ومنذ عام 2011، اضطلع الاتحاد بأدوار في الوساطة السياسية ودعم المصالحة الوطنية، عبر لجنة رفيعة المستوى ومجلس السلم والأمن، مع التركيز على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، واتسع هذا الدور، خلال السنوات الأخيرة، بالتعاون مع المجلس الرئاسي.
وكان من أبرز محطات هذا المسار جهود اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى المعنية بليبيا، برئاسة الرئيس الكونغولي دينيس ساسو نغيسو، التي رعت مسار «المصالحة الوطنية»، وصولاً إلى توقيع «ميثاق السلام والمصالحة الوطنية» في أديس أبابا، خلال فبراير (شباط) 2025.
لكن أولوية «المصالحة الوطنية» في معالجة الأزمة الليبية تظل محل تساؤل. وهنا يقول المحلل السياسي حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البلاد لا تشهد تناحراً قبلياً أو دينياً يستدعي جهوداً استثنائية في هذا المجال». ويلفت إلى «ضعف التوافق داخل المجلس الرئاسي ومحدودية صلاحياته، فضلاً عن الحضور المؤثر لمبادرة أممية وأخرى أميركية في إدارة الأزمة».
وهنا تشير تقديرات بحثية إلى أن «فاعلية الاتحاد الأفريقي لا ترتبط بقدر ما يطرحه من مبادرات جديدة، بل بقدر ما تتوقف على قدرته على تنسيق المسارات القائمة وضمان تنفيذها»، وفق تقرير حديث صادر عن «معهد الدراسات الأمنية» (ISS).

