
بمناسبة مرور عشرة سنوات على إنشاء المجلس، أكد الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وأمين لجنة الحقوق الاقتصادية، أنه خلال تلك الفترة استطاع العمل المؤسسي أن يتحول من تجربة شبابية وطنية إلى نموذج إقليمي للعمل المدني المنظم، وأن يرسخ حضوره باعتباره إحدى التجارب المصرية البارزة في بناء القيادات الشبابية، وتعزيز المشاركة في الشأن العام، وربط العمل المجتمعي بقضايا التنمية وحقوق الإنسان.
وقال ممدوح، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن المجلس لم يعد مجرد منظمة تنفذ برامج تدريبية أو تنظم فعاليات شبابية، وإنما أصبح منصة مؤسسية متكاملة لإعداد القيادات وبناء الشراكات وإنتاج المبادرات، استطاعت أن تقدم تجربة مصرية تمتد آثارها وشبكات تعاونها إلى المحيطين الإقليمي والدولي.
وأوضح أن هذه التجربة تستند إلى حصيلة عمل حقيقية، حيث نفذ المجلس 600 برنامج تدريبي نوعي ومتخصص استفاد منها نحو 192 ألف شاب وفتاة، في مجالات القيادة والإدارة والسياسات العامة وحقوق الإنسان وريادة الأعمال والتنمية المجتمعية، إلى جانب تطوير أكثر من 52 برنامجًا ومسارًا تنمويًا، وامتداد أنشطته إلى نحو 22 محافظة مصرية.
وأضاف: «حين نتحدث عن 192 ألف شاب وفتاة، فإننا لا نتحدث عن مجرد أرقام في سجلات التدريب، وإنما عن استثمار ممتد في رأس المال البشري المصري، وعن فرص حقيقية لبناء المعرفة وتنمية المهارات وإعداد كوادر تستطيع تحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة المستقبل».
وأشار ممدوح إلى أن تجربة المجلس بدأت عام 2013 كمبادرة وائتلاف شبابي، قبل أن تشهد تحولًا مؤسسيًا عقب المؤتمر الوطني الأول للشباب عام 2016، ليصبح منظمة مجتمع مدني مشهرة وفقًا لأحكام القانون المصري، ويبدأ مرحلة جديدة من التوسع في البرامج والمشروعات والشراكات.
وأكد أن أهم ما يميز تجربة المجلس هو قدرته على الجمع بين العمل القاعدي المباشر مع الشباب في المحافظات، والحضور المؤسسي في دوائر الحوار الوطني والإقليمي والدولي، بما أتاح له الانتقال من تقديم الخدمات والأنشطة إلى المساهمة في بناء القدرات وفتح مساحات للمشاركة والتأثير.
وقال إن المجلس أصبح يمتلك رصيدًا من الخبرات والعلاقات المؤسسية يؤهله للقيام بدور يتجاوز النطاق المحلي، مشيرًا إلى أن نجاح مؤسسات المجتمع المدني لم يعد يقاس فقط بحجم انتشارها داخل الدولة، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء شراكات عابرة للحدود، والمشاركة في النقاشات الدولية، وتبادل الخبرات، وتقديم نماذج عمل قابلة للاستفادة منها في مجتمعات أخرى.
وفيما يتعلق بالشراكات، كشف ممدوح أن المجلس استطاع بناء شبكة تعاون واسعة شملت أكثر من 650 منظمة مجتمع مدني محلية ودولية، إلى جانب شراكات مع الجامعات والمؤسسات الوطنية والنقابات والأحزاب السياسية، بما عزز قدرته على الوصول إلى شرائح مجتمعية متنوعة وتنفيذ برامج مشتركة في مجالات متعددة.
وأوضح أن المجلس حرص على ألا تتحول الشراكات إلى مجرد بروتوكولات شكلية، وإنما إلى أدوات لتبادل الخبرات وتوسيع فرص المشاركة وتنفيذ المبادرات المشتركة، مؤكدًا أن قوة مؤسسات المجتمع المدني تكمن في قدرتها على العمل مع الآخرين، وليس في العمل بمعزل عنهم.
وأشار إلى أن المجلس نجح في تعزيز حضوره على المستوى الدولي، بحصوله على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، إلى جانب مشاركته في شبكات ومنصات دولية معنية بالشباب وحقوق الإنسان والحوار المجتمعي.
وأضاف أن هذا الحضور يعكس قدرة منظمات المجتمع المدني المصرية على بناء علاقات مؤسسية دولية والمشاركة في مناقشة القضايا المشتركة، مؤكدًا أن المجتمع المدني المصري يمتلك خبرات وتجارب تستحق أن تكون حاضرة في المحافل الإقليمية والدولية.
وشدد على أن المجلس يطمح إلى ترسيخ موقعه كمنصة إقليمية لتبادل الخبرات في مجالات إعداد القيادات الشبابية والمشاركة العامة والتنمية المجتمعية، انطلاقًا من تجربته المصرية الممتدة.
وحول أبرز النماذج العملية التي قدمها المجلس، أوضح ممدوح أن نموذج محاكاة محليات مصر يمثل إحدى التجارب المهمة في تأهيل الشباب للمشاركة في الشأن العام، حيث أسهم منذ عام 2019 في إعداد أكثر من 12 ألف شاب وفتاة، من خلال برامج تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
وأشار إلى أن النموذج يستهدف بناء فهم حقيقي لاختصاصات المجالس المحلية وأدوات الرقابة والمساءلة وآليات التخطيط ومناقشة القضايا المجتمعية، بما يساعد الشباب على الانتقال من الاهتمام بالشأن العام إلى امتلاك أدوات المشاركة فيه.
وأضاف أن المجلس عمل كذلك على تعزيز التواصل بين الشباب والقيادات التشريعية، حيث شهدت أنشطته خلال السنوات الأولى مشاركة أكثر من 150 برلمانيًا، في إطار برامج الحوار وتبادل الخبرات والتأهيل للمشاركة العامة.
وأكد أن المجلس ينطلق من قناعة أساسية مفادها أن الشباب لا ينبغي أن يكونوا مجرد جمهور يستمع إلى صناع القرار، وإنما شركاء يمتلكون المعرفة والقدرة على طرح البدائل والمساهمة في مناقشة السياسات العامة.
قد يهمك أيضًا: نائب: اتفاق غزة يعكس نجاح مصر فى تحويل مسار الأزمة من الحرب لصناعة السلام
وفي ملف العمل الإنساني، أكد ممدوح أن المجلس استطاع تطوير مسار مهم للاستجابة الإنسانية والعمل التطوعي، حيث شارك أكثر من 8 آلاف متطوع في تنفيذ تدخلات ومبادرات إنسانية خلال الفترة من 2019 إلى 2026، بالتعاون مع أكثر من 25 شريكًا وطنيًا وإقليميًا ودوليًا.
وأوضح أن هذه الجهود وصلت إلى أكثر من 100 ألف مستفيد من أكثر من 6 جنسيات، من خلال المبادرات المجتمعية والقوافل الإغاثية والتدخلات المرتبطة بالغذاء والصحة والتعليم ودعم الأسر الأولى بالرعاية والأسر النازحة وضيوف مصر.
وأشار إلى أن أهمية هذه التجربة لا تقتصر على حجم المساعدات أو أعداد المستفيدين، وإنما تمتد إلى قدرة الشباب المصري على تنظيم جهود تطوعية واسعة، والمشاركة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، واكتساب خبرات عملية في إدارة الأزمات والعمل الجماعي والتنسيق المؤسسي.
وقال إن هذه الجهود تعكس وجهًا مهمًا من أوجه الدور المجتمعي المصري، القائم على التضامن الإنساني ومد جسور التعاون مع المجتمعات والشعوب المختلفة.
وردًا على سؤال حول المؤشرات التي يعتمد عليها المجلس لقياس أثر برامجه على تمكين الشباب وتأهيلهم لسوق العمل والمشاركة في الشأن العام، أكد ممدوح أن هناك فارقًا كبيرًا بين قياس حجم النشاط وقياس الأثر الحقيقي.
وأوضح أن تنفيذ 600 برنامج تدريبي والوصول إلى 192 ألف مستفيد يمثلان مؤشرين مهمين على حجم العمل واتساع نطاق الاستفادة، لكن التأثير الحقيقي يرتبط بما اكتسبه المشاركون من مهارات، وقدرتهم على الاستفادة منها في حياتهم المهنية والمجتمعية.
وأشار إلى أن المجلس ركز في تصميم برامجه على تنمية المهارات القيادية والإدارية، والتواصل والتفاوض، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المشروعات، وريادة الأعمال، والعمل الجماعي، باعتبارها مهارات أساسية يحتاجها الشباب سواء للاندماج في سوق العمل أو للمشاركة في إدارة المؤسسات والمبادرات المجتمعية.
وأكد أن المجلس يعمل على تطوير أدوات متابعة وتقييم أكثر ارتباطًا بالنتائج، بما يسمح برصد تطور مهارات المستفيدين، ومدى استفادتهم العملية من البرامج، واستمرار مشاركتهم في الأنشطة المجتمعية والمؤسسية، مع التوسع في آليات المتابعة بعد انتهاء التدريب.
وأضاف: «لا يكفي أن نقول إننا دربنا آلاف الشباب، وإنما يجب أن نسأل: ماذا تغير في قدراتهم؟ وما الفرص التي أصبحت متاحة أمامهم؟ وهل استطاعوا تحويل ما تعلموه إلى مشروعات أو مبادرات أو أدوار قيادية؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم مستقبل العمل الشبابي».
وشدد ممدوح على أن تجربة مجلس الشباب المصري تقدم دليلًا على أن مؤسسات المجتمع المدني المصرية تمتلك القدرة على تطوير نماذج عمل مؤسسية قادرة على الاستمرار والتوسع وبناء علاقات إقليمية ودولية.
وأوضح أن الوصول إلى هذا المستوى لم يكن نتيجة حدث واحد أو مبادرة منفردة، وإنما حصيلة سنوات من العمل التراكمي وبناء الثقة وتطوير الكوادر وتعزيز الشراكات، مؤكدًا أن الاستدامة المؤسسية تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه منظمات المجتمع المدني في المنطقة.
وقال إن المجلس يسعى إلى تقديم نموذج يقوم على الجمع بين الاستقلال المؤسسي والمسؤولية المجتمعية، وبين العمل الميداني والحضور في دوائر الحوار وصناعة السياسات، وبين الاهتمام بالقضايا الوطنية والانفتاح على التجارب والخبرات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن التجربة المصرية في العمل الشبابي والمدني تمتلك إمكانات كبيرة للتوسع والتأثير، خاصة عندما تقوم على بناء المؤسسات وإعداد القيادات والاستثمار في الإنسان بدلًا من الاكتفاء بالأنشطة الموسمية.
وأكد الدكتور محمد ممدوح تصريحاته على أن مرور عشر سنوات على التحول المؤسسي لمجلس الشباب المصري لا يمثل مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق، وإنما محطة لتقييم التجربة وإعادة تحديد الأولويات للمرحلة المقبلة.
وقال: «نحن فخورون بما حققناه خلال السنوات الماضية، لكننا أكثر إدراكًا لحجم المسؤولية التي تفرضها هذه التجربة. فحين تنجح منظمة مجتمع مدني مصرية في الوصول إلى 192 ألف شاب، وتنفيذ 600 برنامج متخصص، وبناء شبكة تعاون مع مئات المؤسسات، وتطوير حضور إقليمي ودولي، فإن مسؤوليتها لا تتوقف عند الحفاظ على ما تحقق، وإنما تمتد إلى تطوير نموذج أكثر تأثيرًا واستدامة». مضيفًا؛ «طموحنا أن يكون مجلس الشباب المصري واحدًا من النماذج المرجعية للعمل المدني الشبابي في منطقتنا، ليس بحجم أنشطته فقط، وإنما بجودة مؤسساته، وكفاءة كوادره، وقدرته على تحويل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها الناس».
واختتم قائلًا: «بعد عشر سنوات من العمل المؤسسي، لم يعد السؤال بالنسبة لنا كم فعالية نظمنا أو كم شهادة تدريب أصدرنا، وإنما كم قيادة أعددنا، وكم فرصة صنعنا، وكم شابًا أصبح قادرًا على التأثير في مجتمعه. نحن لا نسعى إلى صناعة جمهور للفعاليات، وإنما إلى إعداد جيل من القيادات القادرة على المشاركة في صناعة القرار وتحمل مسؤولية المستقبل. وهذا هو المعنى الحقيقي لانتقالنا من الحوار إلى التأثير».






