قال عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن الهوية العربية هي حاصل ضرب وجمع تاريخ الأمة العربية، وهي مجموعة من الطبقات المتراكمة التي تشكلت عبر التاريخ، مشيرًا إلى أن جميع الدول أصبحت لديها مخاوف متزايدة بشأن الحفاظ على هويتها، فما بالنا بالهوية العربية التي تجمع دولًا وشعوبًا متعددة الثقافات والتجارب.
وأضاف شيحة، خلال مشاركته في فعاليات الندوة الإقليمية حول “حقوق الإنسان في العصر الرقمي.. الفرص والمخاطر”، أن الهوية ليست شيئًا ثابتًا، وإنما هي مفهوم متحرك يتغير باستمرار، مؤكدًا أن المجتمعات تخوض صراعًا مستمرًا مع الآلة والتكنولوجيا، خاصة فيما يتعلق بإدخال البيانات السليمة التي تشكل جزءً أساسيًا من عملية التحول الرقمي.
وأوضح أن التكنولوجيا الرقمية تفتح مساحات جديدة للمشاركة وتعزيز الحقوق والحريات، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى مصدر للخطر عندما تمس البيانات الشخصية أو تؤدي إلى التمييز أو العدوان على الخصوصية والكرامة الإنسانية. مؤكدا، أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في إدخال التاريخ والتراث العربي إلى البيئة الرقمية باللغة العربية، بما يضمن حضور الهوية العربية في المحتوى الرقمي، وعدم ترك تشكيل الوعي للأدوات والمنصات التي لا تعكس بالضرورة خصوصية المجتمعات العربية.
وأشار شيحة إلى أن الخوارزميات أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الوعي، بالتزامن مع تراجع بعض أدوار الأسرة والمؤسسات التقليدية في مواجهة التأثير المتزايد للأجهزة والمنصات الرقمية، موضحًا أن الهاتف الصغير الذي يحمله الشباب والأطفال أصبح مصدرًا رئيسيًا للحصول على المعلومات والتعرف على العالم، وهو ما يجعل مسألة تشكيل الوعي الرقمي قضية أساسية.
وقال إن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في كثير من تفاصيل الحياة اليومية وطريقة تفكير الإنسان، مؤكدًا أن العالم العربي يمتلك تنوعًا كبيرًا في التجارب والتقاليد والأفكار، ويجب الاهتمام بهذا التنوع عند بناء مستقبل رقمي عربي. مشددا على ضرورة أن تكون اللغة العربية قادرة على المنافسة في المجال الرقمي، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في امتلاك أبحاث علمية ومصادر عربية تستطيع تعريف المجتمع العربي بذاته وتاريخه وثقافته، موضحًا أن حجم المدخلات والمحتوى باللغة العربية على المنصات الرقمية لا يزال أقل بكثير من لغات أخرى، وهو ما يتطلب مزيدًا من الاهتمام بالمحتوى العربي.
تصفح أيضًا: النائب عمرو الشلمة: التعامل بشفافية مع حادث ميناء دمياط يجسد احترافية الدولة
وأوضح أن البيانات الرقمية تكشف الكثير عن الإنسان، الأمر الذي يجعل قضايا الخصوصية والكرامة الإنسانية في صميم النقاش حول التحول الرقمي، مشددًا على أن حماية الهوية العربية وحقوق الإنسان يجب أن تسيرا جنبًا إلى جنب، وألا تتحول الهوية بأي حال من الأحوال إلى ذريعة للانتقاص من حقوق الإنسان.
وأكد شيحة الحاجة إلى معادلة متوازنة تحمي الحق في التعبير والحق في الحصول على المعلومات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية والكرامة الإنسانية، مشيرًا إلى أن المجتمعات العربية ظلت لفترة طويلة مستهلكة للتكنولوجيا، وحان الوقت للانتقال إلى مرحلة صناعة التكنولوجيا والمشاركة في إنتاج المعرفة الرقمية.
ودعا إلى بناء قدرات إعلامية ورقمية قادرة على التعامل مع التطورات التكنولوجية، وتعزيز قدرة المواطنين على فهم المحتوى الرقمي والتحقق من المعلومات والتعامل معها بصورة واعية.
وأضاف أن الهدف هو بناء هوية عربية منفتحة وواثقة من نفسها، دون أن تكون منقطعة عن تاريخها وتراثها، موضحًا أن تحقيق ذلك يتطلب رؤية مشتركة للهوية العربية، ودعم المحتوى العربي، وتطوير حضور اللغة العربية في البيئة الرقمية، إلى جانب رقمنة التراث والذاكرة العربية.
وطرح شيحة عددًا من المحاور التي يمكن البناء عليها في هذا الإطار، من بينها حماية البيانات والخصوصية، ونشر الثقافة الرقمية، وتعزيز مهارات التحقق من المعلومات، وتشجيع المشاركة الواعية في إنتاج المحتوى وإبداء الرأي. مؤكدا، أن لكل دولة خصوصيتها الثقافية داخل الإطار الأوسع للهوية العربية، وأن التنوع الثقافي يمثل جزءً من ثراء المنطقة العربية، مشددًا على ضرورة وضع الإنسان في مركز عملية التحول الرقمي.
واختتم شيحة بالتأكيد على أهمية توثيق التراث العربي ورقمنته، وتوسيع المشاركة المجتمعية في نشر الثقافة والمعرفة، بما يضمن أن تكون التكنولوجيا أداة لتعزيز الهوية والحقوق والحريات، وليس عاملًا للانتقاص منها.




