قال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إن من يعلّقون «أدنى أمل» على تغيير سلوك الولايات المتحدة بفعل «التبدلات الحزبية والفئوية»، أو على تقديم تنازلات لها، «مخطئون بشدة»، محذراً من أن المواجهة مع الولايات المتحدة ستتخذ «أبعاداً أوسع بكثير» إذا تكررت «الاعتداءات».
ورحّب كبار المسؤولين الإيرانيين بنتائج انتخابات التجديد النصفي، وعدّوها رفضاً من الناخبين الأميركيين للحرب على إيران، وهزيمة للرئيس دونالد ترمب، بينما تبقى طهران في حالة تأهب قصوى تحسباً لتجدد الهجمات.
وجاء في بيان منسوب إلى خامنئي، بمناسبة ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، غداة انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أن من يعتقدون أن التبدلات الحزبية داخل الولايات المتحدة أو تقديم تنازلات لواشنطن يمكن أن ينهي عداءها لإيران «مخطئون بشدة».
وسيطر الديمقراطيون بالكامل على الكونغرس بمجلسيه، النواب والشيوخ، على حساب الجمهوريين بزعامة الرئيس دونالد ترمب. وعكست النتيجة الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والحرب على إيران، التي رفعت أسعار الوقود بشكل كبير.
وأقر ترمب في مقابلتين مع وسيلتي إعلام بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية لعبت دورا في هزائم الجمهوريين، حسب رويترز.
وهذا أحدث بيان منسوب إلى مجتبى خامنئي منذ توليه منصبه في مارس (آذار)، خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأميركية – الإسرائيلية الأولى على إيران، في 28 فبراير (شباط). ولم يظهر المرشد الجديد علناً منذ انتخابه.
وتزامنت خسارة الجمهوريين مع ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، حين اقتحمها طلاب متشددون بعد سقوط الشاه المدعوم من واشنطن، واحتجزوا 52 أميركياً رهائن مدة 444 يوماً.
وتحل الذكرى هذا العام وسط ترقب لاحتمال أن تستأنف الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، بعد أشهر من تراجع الأعمال القتالية. وحشدت السلطات العشرات من أنصارها وطلاب المدارس وموظفي الدوائر الحكومية والعسكريين في شوارع رئيسية بطهران والمدن الكبرى، بمناسبة ذكرى 13 آبان.
ورفع المشاركون أعلاماً حمراء تتوعد بالثأر للمرشد السابق علي خامنئي، ولافتات وصوراً تندد بترمب وبحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأُحرقت أعلام أميركية وإسرائيلية، بحسب صور نشرتها وسائل إعلام حكومية.
إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال إحياء الذكرى الـ47 لاقتحام السفارة الأميركية في طهران، الأربعاء (رويترز)
وأضاف البيان: «إذا كان لا يزال هناك من يعقد أدنى أمل على تغيير السلوك أو على التبدلات الحزبية والفئوية في نظام الهيمنة، أو يتصور أنه يستطيع بتقديم التنازلات لأميركا أن يصرفها عن عدائها للشعب الإيراني، فهو مخطئ بشدة».
وأضاف أن هذا «التصور الباطل» وقال: «أمنية الشيطان الأكبر هي استسلام الشعب الإيراني استسلاماً غير مشروط».
و حذر من أن «أدنى نزوع نحو الاستسلام للعدو» سيبدد ما اعتبره مكاسب حققتها إيران خلال المواجهات، ويزيد الولايات المتحدة جرأة على «المطالب المفرطة والحروب والتجاوزات اللاحقة».وكثف وسطاء جهودهم لإنهاء الحرب وسط مخاوف من إمكانية اندلاعها مجددا بعد الانتخابات. ورفض ترمب أمس الثلاثاء استبعاد استئناف العمليات القتالية بعد التصويت، وتخطط إيران لرد أوسع نطاقا إذا استؤنفت الحرب.
لكن مصدرين إيرانيين رفيعي المستوى قالا لرويترز إن طهران قلقة من أن يسعى ترامب إلى التعويض عن ذلك بضربة عسكرية، وظلت في حالة تأهب قصوى، رغم ترحيب قادة إيرانيين بفوز الديمقراطيين.
وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد كرر، الثلاثاء، أن المرشد منح الحكومة صلاحيات جديدة للتفاوض مع الولايات المتحدة، من دون أن يحدد نطاقها.
إيرانيون يرفعون لافتة أمام مبنى السفارة الأميركية السابقة في طهران خلال إحياء ذكرى اقتحامها عام 1979، الأربعاء (أ.ف.ب)
وكتب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، الثلاثاء، أن الرد الأميركي على المطالب الإيرانية «لم يكن مقنعاً»، وأن مضيق هرمز لن يُفتح قبل أن ترد واشنطن «بشكل كامل وصريح» على الشروط السبعة وتنفذها.
وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز»، الثلاثاء، إن طهران وواشنطن لا تزالان بعيدتين عن اتفاق لإنهاء الحرب. وأضاف أن طهران سترد بقوة على الضربات الأميركية «في المنطقة وخارجها». ويتوقع الوسطاء القطريون تلقي ردّي الطرفين على مقترح جديد خلال 36 ساعة.
وفي جزء آخر من بيانه، قدم خامنئي ما فعلته إيران في الحرب الأخيرة على أنه بداية لمواجهة أوسع. وقال إن «إدارة إيران لمضيق هرمز والقضاء على القواعد الأميركية » شكّلا رداً على الهجمات الأميركية خلال الحرب الأخيرة.
وأضاف أن تلك العمليات، رغم أنها كانت رداً على الهجوم الأميركي، مثّلت «جهاداً ابتدائياً ضد الاستكبار على نطاق إقليمي»، محذراً من أنها «ستتخذ أبعاداً أوسع بكثير إذا تكررت الاعتداءات».
وتوعد بتوسيع جبهات المواجهة وتحدث مرة أخرى عن «وحدة ساحات جبهة المقاومة»، من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن. وكتب أن قوة أميركا «في بُعدي القوة الصلبة العسكرية والقوة الناعمة الدولية» تشهد «سقوطاً لا رجعة فيه»، وأن «مسار انهيارها تسارع».
وعدّد خامنئي ما وصفه بمحطات «العداء الأميركي»، بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية «الواسعة والطويلة والثقيلة»، كما أشار مقتل الجنرال قاسم سليماني، مسؤول العمليات العسكرية في «الحرس الثوري» بضربة أمر بها ترمب مطلع عام 2020.
وقال إن واشنطن تسعى «بوقاحة» إلى «تقسيم البلاد، وإركاع الشعب، وإسقاط النظام، والقضاء على حضارة إيران الأصيلة والعريقة». وأضاف أن «حساباتها الخاطئة» حمّلت «الشعب الأميركي والحكومات العميلة» للإدارة الأميركية «أثماناً باهظة».
نوصي بقراءة: «تقرير»: صور أقمار اصطناعية تكشف استئناف نشاط موقع نووي إيراني استهدفته إسرائيل
وقال إن «السبيل الوحيد لبلوغ الردع المطلق» هو مواصلة استراتيجية «إيران الأقوى فأقوى». ودعا إلى الوحدة والتماسك، وطالب المسؤولين بتأمين «معيشة» المواطنين وراحتهم.
واتخذ عدد من المسؤولين الإيرانيين موقفاً أكثر حدة تجاه نتائج الانتخابات الأميركية، مقدمين إياها بوصفها هزيمة سياسية لإدارة ترمب. وقال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأربعاء، إن تصويت الأميركيين هو «لا للحرب».
وكتب على منصة «إكس»: «سواء عن قناعة أو بسبب تكاليف المعيشة، قال الأميركيون: لا للحرب. ونحن نؤيد هذه الرسالة». وأضاف: «إذا خانت الحكومة الأميركية إرادة شعبها لتخدم جهات دولية تموّل وتمارس الابتزاز، فستدرك أن كلمة (لا) التي نقولها يرافقها كابوس».
وكان قاليباف قد قال، الثلاثاء، إن إيران مستعدة للمعركة «وإصبعها على الزناد»، وإن ردها على «أي خطأ في حسابات العدو» سيكون «غير متوقع» ومن دون «قيود جغرافية».
وأضاف أن طهران قدمت «رداً قوياً وعقلانياً»، مشدداً على أن المرشد الإيراني حدد الاستراتيجية العسكرية لمواجهة أي هجوم محتمل، وإن «الكرة الآن في ملعب أميركا لتجنب الحرب».
ومن جانبه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي، إن القوات المسلحة الإيرانية «أقوى بكثير» مما كانت عليه في الحربين السابقتين، وإن طهران «في جاهزية كاملة» للدبلوماسية والدفاع.
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران، الأربعاء (إ.ب.أ)
وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي: «نبذل جهدنا، ونأمل أن يتحلى الطرف الآخر بما يكفي من العقلانية ليفضّل الدبلوماسية على الطرق الأخرى. لكننا مستعدون تماماً للمسارات الأخرى أيضاً». وتابع: «رسالة المرشد أظهرت بوضوح ما هي إرادتنا. مهمة قواتنا المسلحة واضحة تماماً في الوقت الحالي».
أما محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني ومساعده، فقال إن ترمب «تلقى صفعة من شعبه»، رغم محاولاته تحقيق فوز لحزبه. وكتب: «الفائز الحقيقي في هذا الميدان هو إيران، التي نقلت تكلفة الحرب إلى داخل أميركا».
وكتب رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي: «ترمب هُزم في الحرب وفي السياسة. بالتأكيد سنفرض عليه مزيداً من الهزائم، وهذا ليس سوى أولى ثمار الفجر».
ونشرت وكالة «ميزان» منصة السلطة القضائية مزحة متداولة على «إكس» مفادها أن «ترمب فشل في تغيير النظام في إيران لكنه نجح في تكساس»، في إشارة إلى الولاية التي فاز فيها ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ لأول مرة منذ عقود.
واعتبر محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي أن محاولة عزل إيران اقتصادياً وإسقاط اقتصادها خلال أسبوعين انتهت إلى «إقصاء الجمهوريين سياسياً عن السلطة التشريعية الأميركية».
وقال مساعد الرئيس الإيراني لشؤون الاتصال والإعلام سيد مهدي طباطبائي إن الناخبين الأميركيين بعثوا برسالة واضحة، معتبراً أن الحرب على إيران، والأحداث في غزة، والانحياز الأميركي لإسرائيل كانت من أسباب خسائر الحزب الجمهوري.
ووصف النتيجة بأنها أكبر هزيمة انتخابية يتعرض لها الحزب.
وفي موازاة ردود الفعل السياسية، جدد مسؤولون عسكريون إيرانيون التحذير من توسيع نطاق الرد إذا استؤنفت الهجمات.
وقال قائد الذراع البرية لـ«الحرس الثوري» محمد كرمي إن تكرار أي «خطأ في الحسابات» من جانب الخصوم سيؤدي إلى تسريع خروجهم من المنطقة، و«اضمحلال النظام الصهيوني وزواله».
وحذر حميد رضا مقدم فر، مستشار قائد «الحرس الثوري»، من أن الرد الإيراني لن يقتصر على المواقع التي تنطلق منها الهجمات.وأضاف أن إيران «لم تنكفئ إلى قوقعة الدفاع والضعف»، وأن ضرباتها «ستكون مختلفة هذه المرة»، و«أبعد وأكثر عبرة». وقال إن «تغيير العقيدة» الإيرانية «إحدى علامات تفوق إيران في الحرب».
وكان «الحرس الثوري» قد أعلن، الثلاثاء، تحديث «بنك الأهداف»، ووضع «الأصول المادية وغير المادية» لخصومه في المرمى، والرد على أي تهديد «من دون قيود جغرافية».
ولوّح رئيس بلدية طهران، والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، علي رضا زاكاني بتغيير العقيدة النووية. وقال في خطابه أمام المتظاهرين: «اليوم، الملف النووي ملف جدي». وأضاف: «لم نكن نسعى إلى القنبلة النووية، لكن تهديدكم غير التقليدي سيجعل العقيدة النووية للبلاد تتغير، بتدبير القيادة ودعم هذا الشعب».
وأضاف أن مطالبة إيران بالتعهد بعدم صنع القنبلة «مضحكة جداً». وتابع أن «الأعداء سيواجهون، في مقابل التهديد غير التقليدي، تهديداً غير تقليدي وعملاً غير تقليدي».
وربطت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، الحدثين بصورة نشرت على صفحتها الأولى تظهر ترمب معصوب العينين ورأسه منحني، وتبدو خلفه صورة من رهان السفارة الأميركية في طهران، قبل 47 عاماً.وكتبت في العنوان رئيسي «ظل إيران يخيم على الانتخابات الأميركية»، وأضافت أن واشنطن ظلت «أسيرة إيران لمدة 47 عاما: من الاستيلاء على وكر الجواسيس (السفارة الأميركية) إلى انتخابات الكونغرس الأميركي في نوفمبر 2026».
ونفذت الولايات المتحدة ليل الاثنين – الثلاثاء ضربات وصفتها بـ«الدفاعية» على جزيرة قشم. وأقر ترمب، الثلاثاء، بالضربة، ووصفها بأنها «هجوم صغير، ولم يكن حرباً».
وتشهد الحرب، التي أشعلتها ضربات أميركية – إسرائيلية على إيران في فبراير، جموداً منذ أشهر. ورغم انهيار مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران أُبرمت في يونيو (حزيران)، لم تتجدد الأعمال العدائية على نطاق واسع، وإن تبادل الطرفان ضربات من حين إلى آخر.

