Site icon رم الاخباري

«بنك إنجلترا» يرفع الفائدة للمرة الأولى منذ 2023… ويحذر من زيادات إضافية

1866675.jpeg

أعاد «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة إلى مسار الصعود للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات، في مواجهة موجة تضخمية تغذيها تداعيات الصراع الأميركي – الإيراني وارتفاع تكاليف الطاقة، محذِّراً من أنَّ الزيادة التي أقرَّها الخميس قد لا تكون الأخيرة إذا استمرَّت المواجهة في الشرق الأوسط.

ويأتي القرار في وقت يتوقَّع فيه البنك أن يقترب التضخم البريطاني من 5 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام المقبل، ما يضع الأسر والحكومة الجديدة أمام ضغوط إضافية، رغم إبداء الاقتصاد قدرة أكبر من المتوقع على الصمود.

ورفعت لجنة السياسة النقدية سعر الفائدة ربع نقطة مئوية، من 3.75 إلى 4 في المائة، بأغلبية 8 أعضاء مقابل صوت واحد. غير أن العضوة المعارضة، كاثرين مان، لم تطالب بالإبقاء على الفائدة كما كان متوقعاً، بل دعت إلى زيادة أكبر بمقدار نصف نقطة مئوية، إلى 4.25 في المائة، محذِّرة من مخاطر تسارع التضخم وفقدان الأسواق الثقة في قدرة البنك المركزي على احتوائه.

وقال محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، إن الزيادة لا ينبغي أن تُفهم على أنها بداية سلسلة حتمية وطويلة من الزيادات، لكنه أضاف أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يجعل من غير المرجَّح أن تكون الخطوة الأخيرة. وأشار، في محضر الاجتماع، إلى وجود مبرِّرات لزيادة أخرى إذا لم تظهر تطورات تخفِّف الضغوط التضخمية، بينما رجَّحت نائبة المحافظ كلير لومبارديلي الحاجة إلى تشديد إضافي في المدى القريب.

محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي خلال المؤتمر الصحافي لتقرير السياسة النقدية لـ«بنك إنجلترا» في مقره بلندن (رويترز)

ورفع البنك توقعاته للتضخم، مقدِّراً أن يبلغ مؤشر أسعار المستهلكين ذروته عند 4.9 في المائة خلال الرُّبع الثاني من 2027، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2023، مقارنة بتقدير سابق عند 3.2 في المائة في توقعاته الصادرة خلال يوليو (تموز). ويعكس التعديل حجم الأثر المتوقع لاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وانتقاله تدريجياً إلى تكاليف الإنتاج والأجور وأسعار السلع والخدمات.

وحذَّرت المؤسسة النقدية من أن ارتفاع فواتير الطاقة قد يفاقم الضغوط على الأسر البريطانية، إذ يُتوقع أن تزيد الفواتير بنحو 25 في المائة في يناير (كانون الثاني) المقبل عند تعديل سقف الأسعار المنظم، مع احتمال تسجيل زيادة أخرى في أبريل (نيسان).

ولا يقتصر القلق على الارتفاع المباشر في أسعار الوقود والطاقة، بل يمتد إلى ما يُعرَف بالتأثيرات التضخمية من الجولة الثانية، عندما تدفع زيادة تكاليف الشركات إلى رفع أسعار منتجاتها، أو يطالب العاملون بزيادات في الأجور لتعويض تراجع القوة الشرائية. ويرى البنك أن هذه الضغوط قد تظهر بصورة أوضح مع انتهاء عقود التحوُّط واتفاقات الأسعار الثابتة طويلة الأجل التي حدَّت حتى الآن من انتقال الزيادات إلى المستهلكين.

وفي سيناريو أكثر تشاؤماً يفترض تكرار التصعيد في الصراع مع إيران، يتوقَّع البنك أن يصل التضخم إلى 6.2 في المائة خلال الرُّبع الثالث من 2027. وحتى في السيناريو الأقل حدة، الذي لا يفترض ظهور تأثيرات تضخمية إضافية، قد يبلغ التضخم 4.8 في المائة مطلع العام المقبل، مدفوعاً إلى حد كبير بزيادة سقف فواتير الطاقة.

اقرأ ايضا: «قطر للطاقة» تمدد القوة القاهرة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال

أشخاص يتسوَّقون في أحد أحياء لندن (رويترز)

وعكست تحركات الأسواق توقعات استمرار التشديد النقدي؛ إذ عزَّز المستثمرون رهاناتهم على زيادة جديدة في ديسمبر (كانون الأول)، مع تسعير احتمال يبلغ نحو 50 في المائة لرفع الفائدة ربع نقطة مئوية، بينما باتت الأسواق تضع في حساباتها قرابة 3 زيادات إضافية حتى نهاية 2027.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بنحو 3 نقاط أساس إلى 4.77 في المائة، بينما استقرَّ الجنيه الاسترليني قرب 1.347 دولار. وفي المقابل، صعد مؤشر «فوتسي 100» للأسهم القيادية في لندن بنحو 0.7 في المائة.

لكن هذه الرهانات تتجاوز ما يرجحه عدد من الاقتصاديين. ويرى ديفيد ريس، كبير الاقتصاديين لدى «شرودرز»، أن «بنك إنجلترا» انجرف إلى دورة رفع الفائدة العالمية بفعل التضخم المستورد من الطاقة، لكنه لا يتوقَّع حملة تشديد حادة، مرجحاً أن تبلغ الفائدة ذروتها عند 4.25 في المائة، وهو مستوى أدنى من المسار الذي تسعّره الأسواق حالياً.

من جهتها، قالت ماريون أميو، الاقتصادية لدى «إس آند بي غلوبال ريتينغز»، إن قوة بيانات النمو وتحسُّن مؤشرات سوق العمل يجعلان رفع الفائدة خطوة مبررة، محذِّرة من أن استمرار الأداء الاقتصادي الأقوى من المتوقع قد يدفع البنك إلى زيادة أخرى خلال الرُّبع الأول من العام المقبل.

وفي موازاة رفع الفائدة، حسَّن «بنك إنجلترا» توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، إذ رفع تقديره لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي إلى 1.6 في المائة، من 1.1 في المائة سابقاً، كما رفع توقعاته لعام 2027 إلى 1.3 في المائة من 1.1 في المائة.

لكن البنك خفَّض تقديره لنمو 2028 إلى 1.2 في المائة، مقارنة بتوقع سابق عند 1.7 في المائة، على أساس أن آثار صدمة الطاقة ستظل تضغط على النشاط الاقتصادي لفترة أطول.

ويعكس هذا التباين معضلة السياسة النقدية البريطانية: فالاقتصاد الذي أظهر صلابة أكبر من المتوقع لا يمنح البنك مبرراً كافياً للتريث إذا استمرَّت الأسعار في الصعود، لكن رفع الفائدة بوتيرة أسرع قد يزيد الضغوط على الأسر والشركات ويحد من النمو.

كما قدَّر البنك أن الموازنة الحكومية المقبلة ستسهم في خفض التضخم بنحو 0.25 نقطة مئوية خلال الرُّبع الثاني من العام المقبل، وهو أثر أكبر من تقديرات هيئة الرقابة المالية المستقلة.

وفي المحصلة، لا يقدم قرار «بنك إنجلترا» إشارة إلى بدء دورة طويلة ومؤكدة من رفع الفائدة، لكنه يعكس انتقال البنك من سياسة الانتظار إلى التَّحرُّك الوقائي، خشية أن تتحوَّل صدمة الطاقة إلى تضخم أكثر رسوخاً في الاقتصاد البريطاني. وتبقى الخطوة التالية رهناً بمسار الصراع وأسعار الطاقة، وبمدى انتقال تكاليفها إلى الأجور والأسعار المحلية.

Exit mobile version