في عالم كرة القدم، قد تتحول الكلمات العابرة إلى نبوءات تطارد أصحابها؛ عندما وقف بيب جوارديولا في أول مؤتمر صحفي له كمدرب لمانشستر سيتي عام 2016، أطلق عبارته الشهيرة مبتسمًا: “اربطوا أحزمة الأمان”.
لم يكن العبقري الإسباني يدرك حينها أن هذه الكلمات ستُستخدم ضده وضد ناديه بعد سنوات، ليس لوصف متعة الأداء الهجومي المرتقب، بل للتحذير من زلزال قانوني مدمر.
اليوم، وبعد إدانة النادي الإنجليزي في 114 تهمة مالية، يعود المخترق البرتغالي روي بينتو، العقل المدبر لـ”فوتبول ليكس”، ليوجه صفعة ساخرة وموجعة للسيتي مستخدمًا كلمات مدربه.
لم يكن توقيت خروج روي بينتو عن صمته عشوائيًّا، فالرجل الذي أسس منصة التسريبات الشهيرة ونجح في تسليم أكثر من ثلاثة تيرابايت من الوثائق السرية لصحيفة “دير شبيجل” وشبكة التحقيقات الأوروبية، وجد في إدانة السيتي بـ 114 تهمة من أصل 115 تتعلق بانتهاك القواعد المالية للدوري الإنجليزي الممتاز، انتصارًا شخصيًّا وتتويجًا لجهوده.
رغم نفي الإدارة المستميت لكل هذه الاتهامات واستعدادها لتقديم طعون قانونية في المهلة المحددة، إلا أن بينتو اعتبر هذا الحكم لحظة فارقة في تاريخ الكرة الإنجليزية، مؤكدًا أن تسريباته كانت المعول الذي هدم جدار التلاعب المالي الخفي في أروقة النادي السماوي.
في ذروة تفاعله مع الحكم التاريخي، قرر بينتو توجيه ضربة نفسية ساخرة، حيث استدعى كلمات جوارديولا الافتتاحية قائلًا: “لا يسعني إلا أن أتذكر كلمات بيب جوارديولا في أول مؤتمر صحفي له كمدرب لمانشستر سيتي: اربطوا أحزمة الأمان”.
اقرأ ايضا: مفاجأة جديدة في أزمة خوان بيزيرا والزمالك
هذا الاقتباس أضفى طابعًا دراميًّا غير مألوف على القضية، فالمفارقة هنا تكمن في أن التهم الموجهة للسيتي تتعلق في الغالب بحقبة زمنية (2009-2018) تسبق في معظمها وصول بيب أو تزامنت مع بداياته، لكن كلمات الأخير أصبحت اليوم الوصف الأدق للمطبّات الجوية العنيفة التي تنتظر النادي في قاعات المحاكم.
لا يخلو دور بينتو نفسه من الجدل والانقسام؛ فبينما يراه البعض بطلًا كشف عن الفساد وخدم المصلحة العامة بجرأة، تنظر إليه السلطات بعين الريبة.
فقد واجه الرجل اتهامات في البرتغال تتعلق بالوصول غير القانوني للبيانات وانتهاك سرية المراسلات، انتهت بصدور حكم بسجنه أربع سنوات مع إيقاف التنفيذ في عام 2023، ليعيش حاليًّا تحت مظلة برنامج حماية الشهود.
رغم هذه القيود والملاحقات، لم تمنعه وضعيته المعقدة من الخروج للاحتفال بنجاح تسريباته في هز عرش أحد أغنى أندية العالم.
في النهاية، تقف الإمبراطورية التي بناها مانشستر سيتي أمام أكبر اختبار لوجودها، حيث تتجاوز المعركة حدود المستطيل الأخضر لتصل إلى طاولات المحامين ولجان الاستئناف.
مع تصاعد الإجراءات التأديبية المنتظرة، لم تعد عبارة “اربطوا أحزمة الأمان” مجرد وعد بكرة قدم ممتعة، بل باتت تحذيرًا صريحًا من عاصفة قانونية هوجاء قد تعصف بتاريخ النادي وألقابه، في رحلة مرعبة لن تكون النجاة منها أمرًا يسيرًا.




