تشهد أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حالة من الغليان غير المسبوقة، حيث يواجه رئيس الاتحاد الحالي، جياني إنفانتينو، تحركات جادة وجبهة معارضة متنامية تقودها اتحادات أوروبية كبرى بهدف منعه من الفوز بولاية جديدة بالتزكية، والبحث عن مرشح قوي ينافسه في الانتخابات المقبلة.
وكان إنفانتينو قد أكد في وقت سابق سعية لإعادة انتخابه لولاية ثالثة، واضعًا في الحسبان أن طريقه سيكون ممهدًا دون وجود أي منافس، إلا أن التطورات الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بددت هذه الطموحات الهادئة، وحولت المشهد إلى صراع مفتوح على قيادة المنظومة الكروية الأكبر في العالم.
الشرارة التي أشعلت هذا الانقسام الحاد تعود إلى ما كشفته صحيفة “talkSPORT” عن مكالمة هاتفية حصرية تلقاها إنفانتينو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يطلب فيها مراجعة البطاقة الحمراء التي حصل عليها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجان، وهو ما أسفر لاحقًا عن تعليق العقوبة بشكل مفاجئ.
هذا التدخل السياسي أثار غضب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي سارع إلى إصدار بيان حاد اتهم فيه الفيفا بتجاوز “الخطوط الحمراء” والمساس بنزاهة اللعبة واستقلاليتها.
ورغم رد إنفانتينو الدفاعي الذي شدد فيه على استقلالية اللجنة الانضباطية بالفيفا، والتي سمحت لبالوجان بالمشاركة في مباراة ثمن النهائي ضد بلجيكا، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف القرار، حيث لم تقدم الفيفا أو لجنتها القضائية أي إيضاحات تفصيلية تفيد بأسباب هذا التراجع سوى التذرع بـ “التقدير الخاص”.
وفي تطور لاحق، تبين أن القرار اتخذ بشكل منفرد من جانب رئيس لجنة الانضباط في الفيفا، محمد الكمالي، وهو ما زاد من قناعة الاتحادات الأوروبية بضرورة وضع حد لطريقة إدارة إنفانتينو الحالية.
في ظل هذا التوتر المتصاعد، بدأت الاتحادات الأوروبية في البحث عن شخصية تتمتع بثقل دولي ونفوذ واسع لمواجهة إنفانتينو.
ووفقًا لـ “talkSPORT”، تتجه الأنظار بشكل مكثف صوب العاصمة الفرنسية، حيث يبرز اسم ناصر الخليفي، رئيس نادي باريس سان جيرمان ورئيس رابطة الأندية الأوروبية، كخيار رئيس ومفضل لدى عدة اتحادات بارزة مثل بلجيكا وبولندا.
وترى هذه الاتحادات في ناصر الخليفي الشخصية المثالية القادرة على إحداث التوازن النفوذي عالميًا، نظرًا لشبكة علاقاته المتشعبة وإدارته الناجحة لملفات رياضية واقتصادية كبرى، والعمق الاستراتيجي الذي يمثله في كرة القدم الأوروبية والعالمية.
ومع ذلك، فإن إقناع الخليفي بدخول المعترك الانتخابي لن يكون أمرًا سهلًا على الإطلاق، إذ تشير المعطيات الحالية إلى أن رئيس رابطة الأندية الأوروبية لا يملك طموحًا مباشرًا لشغل هذا المنصب في الوقت الحالي، وهو ما يتطلب مجهودات وضغوطات كبرى من الحلفاء الأوروبيين لإقناعه بالتراجع عن موقفه وقبول التحدي.
تصفح أيضًا: تصريح استفز المصريين.. ماذا قال هنري عن ميسي بعد ريمونتادا الأرجنتين؟
وفي حال تمسك الخليفي بموقفه الرافض للترشح، فإن الخطة البديلة للاتحاد البولندي وبعض الحلفاء ستتجه نحو دعم داريوش ميودوسكي، مالك نادي ليجيا وارسو، الذي يحظى بتقدير كبير في الأوساط الكروية بشرق ووسط أوروبا.
بعيدًا عن خيار الخليفي، تظل رقعة الترشيحات المحتملة تشمل أسماء بارزة أخرى وإن كانت فرصها أو رغبتها متفاوتة:
ألكسندر تشيفرين: رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يعد الاسم الأكثر تأهيلًا من الناحية القانونية والإدارية، إلا أن المحامي السلوفيني يفضل حاليًا الاستمرار في منصبه الحالي وقيادة اليويفا، مبديًا مرونة في الترشح لولاية جديدة حتى عام 2031 عوضًا عن الدخول في صدام مباشر مع إنفانتينو، رغم الخلافات المتكررة بينهما.
فيكتور مونتالياني: رئيس اتحاد الكونكاكاف (أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي) يظهر كمرشح محتمل من خارج القارة العجوز، ورغم أن تركيزه الحالي ينصب على إعادة انتخابه في اتحاده القاري، إلا أن تطلعاته المستقبلية للجلوس على عرش الفيفا تبدو سرًا مكشوفًا للجميع.
باتريس موتسيبي: رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) يملك بدوره طموحًا كبيرًا لرئاسة الفيفا مستقبلًا، لكن الملياردير الجنوب إفريقي يفضل عدم مواجهة حليفه القوي إنفانتينو في الوقت الحالي، واختيار الانتظار حتى انتخابات عام 2031، آملًا في الحصول على دعم وتزكية إنفانتينو عندما لا يحق للأخير الترشح مجددًا.
المعضلة الكبرى التي تواجه الاتحادات الأوروبية الساعية للتغيير تكمن في القوة التصويتية الكاسحة التي يمتلكها جياني إنفانتينو خارج حدود أوروبا، فالرئيس الحالي نجح في بناء جدار دعم صلب يعتمد على مشاريعه التوسعية المستمرة التي تدر أموالًا طائلة على الاتحادات النامية والصغيرة.
خطط إنفانتينو الرامية إلى توسيع كأس العالم ليشمل 64 منتخبًا، بالإضافة إلى زيادة عدد أندية كأس العالم للأندية وإقامتها كل عامين، تحظى بتأييد مطلق وجارف من أعضاء الاتحاد الإفريقي (كاف)، واتحاد الكونكاكاف، والاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
هذه الاتحادات ترى في هذه التوسعات فرصًا ذهبية لزيادة مداخيلها المالية وتطوير بنيتها التحتية، وهو ما يجعل فكرة حجب الثقة عن إنفانتينو أو إسقاطه في صناديق الاقتراع أمرًا صعبًا جدًا دون وجود مرشح بإمكانه تقديم ضمانات مالية بديلة ومقنعة.
رغم طرح فكرة سحب الثقة من إنفانتينو في كونغرس الفيفا الأخير، إلا أن الاتحادات استقرت على أن صناديق الاقتراع هي الفيصل الحقيقي والوحيد، لتفادي منح الرئيس الحالي فوزًا سهلا وسيطرة مطلقة دون نقاش ديمقراطي حقيقي حول مستقبل اللعبة.
وستكون العاصمة المغربية، الرباط، مسرحًا للمواجهة الانتخابية الكبرى، حيث من المقرر أن تحتضن تفاصيل عملية التصويت والحسم.
ووفقًا للوائح المعتمدة، فإن باب تقديم الترشيحات الرسمية لمنصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم سيبقى مفتوحًا حتى يوم 18 نوفمبر، وهو اليوم نفسه الذي ستجرى فيه الانتخابات رسميًا في المغرب، ليتحدد بشكل نهائي ملامح قائد سفينة كرة القدم العالمية للسنوات المقبلة.




