في الثاني من أغسطس (آب) الحالي، قصفت مُسيرة إسرائيلية بصاروخين مركبة كان على متنها ثلاثة فلسطينيين من نشطاء «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، ما أدى لمقتلهم ومدني رابع كان يمر بالمكان.
وسارعت منصات على شبكات التواصل، بعضها لإسرائيليين وأخرى تديرها المخابرات الإسرائيلية بشكل أو بآخر – كما كشفت صحيفة «هآرتس» في خضم الحرب على القطاع – للحديث عن استهداف قيادي بارز في «القسام» كان على متن تلك المركبة.
ودار الحديث حينها عن نافذ صبيح، أحد قادة «كتائب القسام»، إلا أنه تبين لاحقاً أن العملية استهدفت نجله «جلال» وناشطَين بارزَين قتلا برفقته. وساد اعتقاد لدى أمن الفصائل الفلسطينية بأن هذه كانت محاولة للحصول على معلومات عن مكان صبيح الأب والتأكد مما إذا كان على متن تلك المركبة.
وذهبت وسائل إعلام إسرائيلية حينها لوصف صبيح بأنه القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، وهو أمر لم تنفه أو تؤكده أي مصادر فلسطينية.
وأتت الحادثة في خضم حديث عن محاولات «حماس» تضليل إسرائيل بشأن الاغتيالات التي تستهدف قيادات ونشطاء بارزين في ذراعها المسلحة؛ إذ تكررت خلال الحرب أحداث مشابهة أصدر فيها الجيش الإسرائيلي بيانات تؤكد اغتيال شخصيات بارزة، ثم يتبين لاحقاً أنهم على قيد الحياة.
تكرر هذا في 26 يوليو (تموز) الماضي، حين أعلن الجيش عن اغتيال همام عيد، أحد مهندسي «كتائب القسام» الذين عملوا على تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة، بعد غارة استهدفته قبل يوم واحد من ذلك الإعلان، إلا أنه اتضح أنه لم يُقتل في القصف، قبل أن تعلِن عائلته في اليوم التالي من البيان الإسرائيلي وفاته متأثراً بجروحه.
مقاتلون من «كتائب القسام» في مدينة غزة يوم 25 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)
وتقول مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن مثل تلك الوقائع تكررت مرات عديدة في الفترة الأخيرة؛ إذ كان الجيش الإسرائيلي يعلن عن اغتيال قيادات ونشطاء ميدانيين بارزين، هم فعلياً أحياء يرزقون.
وأشارت المصادر إلى إعلان الجيش مرتين على الأقل استهداف قادة في كتيبتي بيت حانون والشاطئ، في أحداث منفصلة، ليتبين لاحقاً أنهم على قيد الحياة.
وفي 14 يوليو الماضي، أعلن الجيش أنه اغتال يامن عبيد، الضابط في حكومة «حماس»، والذي زعمت إسرائيل أنه ناشط في «كتائب القسام»، ليتبين لاحقاً أنه مصاب ولم يقتل، قبل أن تعلِن عائلته عن وفاته بعد 11 يوماً.
وتكشف المصادر الميدانية لـ«الشرق الأوسط» عن أن إسرائيل جندت العديد من المتخابرين لصالحها للبقاء في المستشفيات كي تتأكد من هوية الضحايا، خاصةً القيادات والنشطاء البارزين المستهدفين، بينما تواصل تنصّتها باستخدام أدوات تكنولوجية على هواتف أقارب النشطاء وأصدقائهم لمعرفة مصيرهم.
النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ)
قد يهمك أيضًا: إطلاق قوافل طبية متخصصة للتوعية بالأمراض الجينية والنادرة بالمحافظات
وصرحت المصادر بأن العديد من المتخابرين اعتُقلوا واعترفوا بأن مهمتهم كانت التأكد من مقتل قيادات ونشطاء بارزين تم استهدفهم خلال غارات، لافتةً إلى أن محاولة أحدهم التعرف على كشوفات الضحايا والجرحى أدت لاعتقاله داخل مجمع الشفاء الطبي بعدما كان يحاول التأكد من اغتيال قائد «القسام»، عز الدين الحداد، في منتصف مايو (أيار) الماضي.
ودأبت مدونة «أبو علي إكسبرس» الإسرائيلية المختصة بنشر أخبار أمنية خاصة تتعلق بنشاطات الجيش الإسرائيلي بقطاع غزة، على الإشارة إلى بيانات الجيش بشأن اغتيال همام عيد ويامن عبيد، اللذين تبين أنهما تُوفيا لاحقاً متأثرين بجروحهما.
وتقر المدونة، التي أكد تحقيق لصحيفة «هآرتس» العبرية في فبراير (شباط) عام 2022، أنها تتبع القيادة الجنوبية في الجيش، وتتلقى منها دعماً مالياً ومعلومات حساسة، بأن هناك العديد من الحالات التي استُهدف فيها عناصر من «حماس»، وأُعلن عن مقتلهم في وسائل التواصل الاجتماعي بغزة وفي بيانات الجيش، ثم اتضح لاحقاً أنهم على قيد الحياة، وتُوفي بعضهم فيما بعد.
فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبانٍ سكنية في مخيم جباليا بشمال قطاع غزة يوم الأربعاء (رويترز)
وقد يؤكد هذا وجود ظاهرة داخل «حماس» لمحاولة تضليل الجيش الإسرائيلي بدفعه للاعتقاد بحدوث اغتيال لم يحدث فعلاً، مما يسمح للشخص المستهدَف أن يواصل حياته بأقل قدر ممكن من المراقبة الاستخباراتية.
ويقول مصدر ميداني من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: «بعض القيادات الميدانية التي كان الجيش الإسرائيلي يعلن عن اغتيالها ما زالت على قيد الحياة. أصيب بعضهم في غارات وتعافَى، وآخرون لم يصابوا من الأساس».
ويروي المصدر قصة وقعت في يونيو (حزيران) الماضي، حينما قُصفت شقة سكنية في أحد أحياء مدينة غزة، وأعلن الجيش الإسرائيلي في اليوم الثاني أو الثالث أنه قام بتصفية قائد ميداني كبير يتولى منصباً مهماً داخل لواء غزة التابع لـ«كتائب القسام».
ويقول المصدر إن المستهدَف نجا ولم يصب، وأنه حي يرزق حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك حالات أخرى مماثلة لا يزال الجيش الإسرائيلي يعتقد بنسبة كبيرة أنه نجح في القضاء عليها.
عناصر من الجناح العسكري لحركة «حماس» في نفق (أرشيفية – رويترز)
حالة أخرى كشف عنها المصدر وتخص مهندساً في «كتائب القسام» يعمل على تطوير لوحات إلكترونية للطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها، وكان قد تعرض عام 2025 لهجوم استهدفه وعائلته وقُتل فيه العديد منهم. وأعلن الجيش حينها أنه تمكن من اغتياله؛ غير أن المهندس ظل على قيد الحياة إلى أن فوجئت المخابرات الإسرائيلية بهذه الحقيقة واغتيل بعد نحو ثلاثة أشهر.
ويقول المصدر إنه بعد محاولة اغتيال المهندس في المرة الأولى، كان هناك تعمد لإبلاغ عائلته ومقربين منه بمقتله، بهدف حمايته، إلا أن ظهوره بشكل خاطئ في مكان ما أوصل القوات الإسرائيلية إليه، لتغتاله لاحقاً.
وتقول المصادر إن الحرب شهدت في العديد من محطاتها حرباً استخباراتية لم تكن علنية، بما في ذلك ما يتعلق بأماكن المختطفين الإسرائيليين.




