أبقى تأجيل توقيع اتفاق نهائي بين الأفرقاء السياسيين الليبيين الباب مفتوحاً أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع رعته الأمم المتحدة في تونس، الثلاثاء، دون حسم ملف رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وبعض القضايا الخلافية المرتبطة بالإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي، رغم توقعات بإعلان اتفاق نهائي يمهد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وبدا هذا التأجيل في نظر سياسيين ومحللين انعكاساً لـ«حسابات سياسية معقدة» تحكم مواقف أطراف لجنة «4 + 4». ولم يكن البيان الصادر عن بعثة الأمم المتحدة، الذي تحدث عن اعتماد آلية جديدة لاختيار رئيس المفوضية، وإدراج غالبية النقاط المتوافق عليها ضمن مسودة الاتفاق النهائي للإطار القانوني للانتخابات، كافياً لتبديد التساؤلات حول أسباب إرجاء التوقيع إلى اجتماع يعقد الأسبوع الأول من أغسطس (آب).
المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري خلال مشاركتهما في اجتماع «4 + 4» بتونس (البعثة الأممية)
وعدَّ عضو الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة، أشرف بودوارة، أن «من الطبيعي أن تشهد مثل هذه التفاهمات بعض التأجيل إذا كانت هناك نقاط لا تزال قيد النقاش، لأن الوصول إلى صيغة توافقية قابلة للتنفيذ أهم من الالتزام بموعد زمني لا يحقق الإجماع المطلوب».
ولم يستبعد بودوارة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تكون هناك «حسابات سياسية معقدة، سواء على المستوى الداخلي أو فيما يتعلق بمواقف بعض الأطراف الإقليمية والدولية»، لكنه رأى أن الأهم هو خروج الاتفاق بصيغة متوازنة تحظى بقبول واسع، وتكون قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
وجاء التأجيل بعد سقف توقعات مرتفع لدى المشاركين في هذا المسار، إذ تحدث أعضاء في لجنة «4 + 4»، عقب خمس جولات تنقلت بين روما وتونس، عن معالجة غالبية العوائق التي تضمنتها القوانين الانتخابية السابقة، والتوصل إلى حلول للنقاط الخلافية. بل إن ممثل حكومة «الوحدة الوطنية» في اللجنة، عبد الجليل الشاوش، أعلن في وقت سابق أنه «لم يعد هناك مجال لتأجيل أو عرقلة إجراء الانتخابات».
وفي تقدير بودوارة، فإن نجاح أي تفاهم لن يُقاس بتاريخ توقيعه، وإنما بقدرته على إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وقيادة البلاد نحو انتخابات حرة ونزيهة ضمن جدول زمني واضح، مضيفاً أن ليبيا «لم تعد تحتمل اتفاقات جديدة تُضاف إلى أرشيف المبادرات دون تنفيذ».
وتضم لجنة «4 + 4» ممثلين عن «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة «الوحدة الوطنية» في غربها، إلى جانب عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة، وقد أطلقتها البعثة الأممية بديلاً لتجاوز تعثر التوافق بين المجلسين بشأن القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وقبل تمديد جولات التفاوض، شهدت المحطات السابقة للجنة في روما وتونس توافقات متدرجة شملت إعادة تشكيل مجلس المفوضية، والتوصل إلى تفاهمات بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، قبل أن يصل المسار إلى مرحلة مراجعة الصياغة النهائية للاتفاق.
وهنا يرى الباحث السياسي عبد الله الديباني أن التأجيل لا يعكس مجرد خلاف إجرائي، بل يكشف استمرار التعقيدات المرتبطة بالآليات التنفيذية، والضمانات اللازمة لإنجاز تسوية تمهد للاستحقاق الانتخابي. وأوضح في منشور عبر «فيسبوك» أن استحداث آلية جديدة لاختيار رئيس المفوضية فتح نقاشاً إضافياً بشأن الجهة المخولة بالحسم، وآليات اعتماد المرشح، وهو ما استدعى منح الأطراف مزيداً من الوقت للوصول إلى صيغة أكثر تماسكاً.
اقرأ ايضا: محكمة سودانية تصدر حكما بالإعدام على حميدتي و15 آخرين في قضية مقتل مسئول
وكانت بعثة الأمم المتحدة قد أعلنت أواخر أبريل (نيسان) الماضي توصل لجنة «4 + 4»، خلال اجتماعها في روما، إلى اتفاق لإعادة تشكيل مجلس المفوضية، يتضمن ترشيح النائب العام أحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لرئاستها، إلى جانب ستة أعضاء يمثلون مجلسي النواب و«الأعلى للدولة».
في غضون ذلك، لا يزال الغموض يحيط بملفات أكثر حساسية على طاولة «4 + 4»، وفي مقدمتها شروط ترشح العسكريين وحاملي الجنسية المزدوجة للانتخابات الرئاسية، إلى جانب مسألة تزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهما قضيتان ارتبطتا منذ سنوات بالجدل حول أهلية بعض الشخصيات البارزة لخوض السباق الرئاسي.
مستشار ترمب للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
وفي قراءة لهذه التعقيدات، عدّ الباحث المشارك في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، أن «الخطوة الأصعب ستكون إيجاد سبيل لإقناع ممثلي الجيش الوطني بضرورة تعديل القوانين الانتخابية».
وأبرز في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن إجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع الانتخابات التشريعية لا يزال محل خلاف، ومن المرجح أن تثير هذه الملفات نقاشات حادة حتى بعد التوافق على رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات مطلع أغسطس المقبل.
غير أن ظلال المبادرة السياسية، التي تتداول أوساط ليبية ودبلوماسية أنها تحظى بدعم أميركي لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، لم تكن بعيدة عن اجتماعات تونس، حسب تقدير محللين.
وتقوم هذه المبادرة، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، ووفق ما يتردد بشأنها، على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع تكليف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة برئاسة حكومة موحدة.
ورأى حرشاوي أن التوقع السائد حتى وقت قريب كان أن يحرز مسار «4 + 4» الذي ترعاه الأمم المتحدة تقدماً وفق معاييره الخاصة، بينما يتقدم المسار المدعوم من الولايات المتحدة بصورة منفصلة ووفق حساباته الخاصة.
وحسب تقديره، فإن ما شهده اجتماع تونس يشير إلى «ميل كبير لدى الطرفين الليبيين الرئيسيين إلى ربط التنازلات في أحد المسارين بما يتحقق في المسار الآخر»، وهو ما قد يفسر الحذر الذي طبع الجولة الأخيرة من المفاوضات.
صدام حفتر (أ.ف.ب)
أما الديباني فقد انتهى إلى أن إرجاء التوقيع قد يكون مرتبطاً أيضاً بالحاجة إلى توفير غطاء دولي أوسع لدعم الاتفاق وضمان تنفيذه، في ظل استمرار التحفظات، التي تبديها بعض القوى السياسية تجاه اللجنة المصغرة، فضلاً عن تجنب إنتاج تفاهم قد يواجه عراقيل بمجرد بدء تطبيقه.




