يجد مانشستر سيتي نفسه أمام واحدة من أكبر القضايا التنظيمية في تاريخ كرة القدم الإنجليزية، في وقت لا تزال فيه لجنة مستقلة تنظر في 115 اتهامًا وجهتها رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز إلى النادي، من دون صدور حكم نهائي حتى 25 سبتمبر 2026.
وتأتي أهمية القضية في ظل المكانة الرياضية التي وصل إليها مانشستر سيتي خلال السنوات الماضية، بعدما أصبح أول فريق في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز يحقق اللقب أربع مرات متتالية، إلى جانب تتويجه بدوري أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبي.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الوسط الرياضي نتيجة القضية، تبرز تجربة يوفنتوس الإيطالي في فضيحة كالتشيوبولي عام 2006 باعتبارها إحدى أبرز الحالات التاريخية التي تعرض فيها نادٍ كبير لعقوبات رياضية واقتصادية واسعة، بعدما كان وقتها بطلًا لإيطاليا ويضم مجموعة من أبرز نجوم العالم.
أحالت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز قضية مانشستر سيتي إلى لجنة مستقلة في 6 فبراير 2023، بعد تحقيقات امتدت لسنوات، وتشمل الاتهامات فترات تمتد من موسم 2009/10 إلى 2022/23، مع تركيز الجزء الأكبر من الاتهامات المالية على الفترة بين 2009/10 و2017/18.
وتنقسم الاتهامات الـ115 إلى خمس مجموعات رئيسية:
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن 35 اتهامًا من أصل 115 تتعلق بعدم التعاون مع التحقيق وتقديم المعلومات والوثائق المطلوبة، وليس بالتلاعب المالي المباشر.
ومن أبرز النقاط المالية التي أثارت الجدل مسألة الإيرادات، خصوصًا إيرادات الرعاية، وما إذا كانت بعض الإيرادات عُرضت بطريقة لا تعكس بصورة دقيقة مصدرها وقيمتها الحقيقية. كما ارتبطت القضية بتسريبات نشرتها مجلة «Der Spiegel» عام 2018، استنادًا إلى رسائل بريد إلكتروني مسربة.
ينفي مانشستر سيتي جميع الاتهامات، وكان النادي قد أعلن امتلاكه مجموعة شاملة من الأدلة لدعم موقفه.
وتختلف القضية الحالية عن النزاع السابق بين سيتي والاتحاد الأوروبي لكرة القدم بشأن اللعب المالي النظيف، إذ فرضت اليويفا في فبراير 2020 حظرًا أوروبيًا لمدة موسمين وغرامة قدرها 30 مليون يورو.
لكن محكمة التحكيم الرياضية «CAS» ألغت الحظر في يوليو 2020، مشيرة إلى عدم وجود أدلة حاسمة كافية للإبقاء على جميع النتائج التي توصل إليها جهاز اليويفا، إلى جانب تقادم عدد من الادعاءات وفق لوائح الاتحاد الأوروبي.
ولا يعني إلغاء عقوبة اليويفا سقوط الاتهامات الحالية، إذ إن الملفين منفصلان من حيث الإجراءات والقواعد والجهات التي تنظر فيهما.
بدأت مرحلة التحول الكبرى في مانشستر سيتي بعد استحواذ ملاك أبوظبي على النادي عام 2008، قبل أن تبدأ الفترة الأساسية لجزء كبير من الاتهامات المالية بين موسمي 2009/10 و2017/18.
وفي 2018 ظهرت التسريبات والوثائق التي أثارت أسئلة بشأن ترتيبات الرعاية والتمويل، ثم فتح اليويفا تحقيقًا رسميًا في مارس 2019.
وفي فبراير 2020، فرض اليويفا عقوبة الحظر الأوروبي والغرامة المالية، قبل أن تلغي CAS الحظر في يوليو من العام نفسه.
وفي 6 فبراير 2023، أحالت رابطة الدوري الإنجليزي الاتهامات إلى لجنة مستقلة، ثم بدأت جلسات الاستماع في 16 سبتمبر 2024 وانتهت في ديسمبر من العام ذاته.
ورغم التوقعات السابقة بصدور الحكم خلال 2025، لم يصدر القرار، ولا تزال القضية دون حكم نهائي معلن حتى 25 سبتمبر 2026.
عندما انفجرت فضيحة كالتشيوبولي عام 2006، لم يكن يوفنتوس ناديًا يعاني من تراجع رياضي أو اقتصادي، بل كان في قمة كرة القدم الإيطالية.
أنهى الفريق موسم 2005/06 في صدارة الدوري الإيطالي، وكان يضم جانلويجي بوفون، وأليساندرو ديل بييرو، وبافل نيدفيد، ودافيد تريزيجيه، وفابيو كانافارو، وإيمرسون، إلى جانب مدربه فابيو كابيلو.
وبلغت إيرادات النادي في موسم 2005/06 نحو 251 مليون يورو، بزيادة 9.5% عن الموسم السابق، وفق التقرير المالي للنادي.
بدأت الأزمة من تحقيقات بشأن اتصالات هاتفية ومسؤولين في كرة القدم الإيطالية، وكان المدير العام ليوفنتوس آنذاك لوتشيانو مودجي أحد أبرز الشخصيات في القضية.
وفي مايو 2006 استقال مجلس إدارة النادي، قبل أن تصدر العقوبات التي تضمنت هبوط يوفنتوس إلى الدرجة الثانية، وخصم 30 نقطة في البداية، وسحب لقبي الدوري لعامي 2005 و2006، وغرامة قدرها 80 ألف يورو وفق الحكم الأولي.
وفي الاستئناف، خُفض خصم النقاط إلى 17 نقطة، بينما بقي قرار الهبوط قائمًا، كما بقي قرار سحب اللقبين، ومنحت FIGC لقب موسم 2005/06 إلى إنتر ميلان.
لم يقتصر تأثير العقوبة على الجانب الرياضي، بل امتد إلى الوضع المالي للنادي.
وانخفضت إيرادات يوفنتوس من 251.2 مليون يورو في موسم 2005/06 إلى 145.2 مليون يورو في موسم 2006/07، بانخفاض يقارب 106 ملايين يورو، أو نحو 42%.
كما انخفضت إيرادات البث بنسبة 46% إلى نحو 93 مليون يورو، بينما تراجع عدد حاملي التذاكر الموسمية من 23,073 إلى 12,716 في بداية موسم الدرجة الثانية.
قد يهمك أيضًا: مباشر مباراة تونس ضد أوغندا في تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027
وعلى مستوى سوق الأسهم، انخفض سهم يوفنتوس خلال جلسة 15 مايو 2006 بنسبة وصلت إلى 21.03% قبل تعليق التداول، وأغلق الجلسة على تراجع قدره 14.26%.
حسم يوفنتوس صعوده إلى الدوري الإيطالي في 19 مايو 2007، رغم العقوبة التي بدأت بها منافسات الدرجة الثانية، ثم عاد إلى دوري أبطال أوروبا في موسم 2008/09 بعد احتلال المركز الثالث في الدوري الإيطالي.
وبعد ذلك، دخل النادي مرحلة جديدة من الهيمنة المحلية، إذ فاز بالدوري الإيطالي تسع مرات متتالية بين 2011/12 و2019/20، ووصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا عامي 2015 و2017.
لكن التعافي الرياضي لم يعنِ استعادة المكانة الاقتصادية بصورة كاملة ودائمة؛ ففي Money League 2025 احتل يوفنتوس المركز السادس عشر بإيرادات بلغت 356 مليون يورو، مع تأثر إيراداته أيضًا بغيابه عن المنافسات الأوروبية في موسم 2023/24.
توجد بعض نقاط التشابه بين القضيتين، أبرزها أن الناديين كانا في قمة القوة الرياضية عندما انفجرت الأزمة.
كان يوفنتوس بطل إيطاليا عام 2006، بينما كان مانشستر سيتي قد حقق أربعة ألقاب متتالية في الدوري الإنجليزي بحلول 2024، إلى جانب دوري أبطال أوروبا والثلاثية في 2023.
كما أن القضيتين تتصلان بأسئلة تتجاوز مخالفة إدارية صغيرة، وتمسان طريقة عمل النادي داخل البيئة التنافسية.
لكن الفارق القانوني الأساسي أن يوفنتوس صدر بحقه حكم وعقوبة فعلية، بينما لم يصدر حتى 25 سبتمبر 2026 أي حكم نهائي ضد مانشستر سيتي. وبالتالي لا يمكن التعامل مع النادي الإنجليزي باعتباره في الوضع القانوني ذاته الذي كان عليه يوفنتوس عام 2006.
يمثل الوضع المالي أحد أكبر الفوارق بين التجربتين.
حقق مانشستر سيتي إيرادات بلغت 715 مليون جنيه إسترليني وأرباحًا قدرها 73.8 مليون جنيه إسترليني في موسم 2023/24، بينما بلغت إيراداته 694.1 مليون جنيه إسترليني في موسم 2024/25 مع تسجيل خسارة محدودة قدرها 9.9 مليون جنيه إسترليني.
وقدرت Deloitte إيرادات سيتي في موسم 2023/24 بنحو 838 مليون يورو، ليحتل المركز الثاني عالميًا في Money League.
وهذا يجعل الوضع المالي الحالي لمانشستر سيتي مختلفًا بصورة كبيرة عن وضع يوفنتوس بعد الهبوط، رغم أن الموارد المالية لا تمنع بالضرورة الأضرار الرياضية مثل خصم النقاط أو فقدان المشاركة الأوروبية أو صعوبة الاحتفاظ ببعض اللاعبين.
يعرض النص ثلاثة سيناريوهات تحليلية محتملة، لكنه يؤكد أنها ليست توقعات قانونية أو نتائج لاستطلاع خبراء، بل تقديرات تحليلية مبنية على اتساع الاتهامات وعدم صدور الحكم والقدرة المالية للنادي.
السيناريو الأول يتمثل في عقوبة قصوى أو قريبة منها، قد تشمل خصمًا كبيرًا من النقاط أو الاستبعاد من المسابقة وفق طبيعة القرار.
أما السيناريو الثاني فيفترض ثبوت بعض المخالفات أو جزء معتبر منها، مع عقوبات كبيرة لا تؤدي إلى انهيار كامل للهيكل الرياضي للنادي، مثل خصم النقاط أو تراجع إيرادات البث أو إعادة هيكلة الفريق.
والسيناريو الثالث يفترض رفض معظم الاتهامات أو ثبوت مخالفات محدودة، بما يسمح للنادي باستيعاب العقوبات اقتصاديًا دون تغيير جذري في موقعه التنافسي.
يشير التقرير إلى أن عبارة «هبوط مانشستر سيتي إلى الدرجة الثانية» لا تعكس بصورة مباشرة آلية العقوبات في كرة القدم الإنجليزية.
فاللجنة المستقلة تنظر في العقوبات داخل إطار الدوري الإنجليزي الممتاز، بينما نظام دوري الدرجة الثانية «EFL» منفصل، ما يعني أن الوصول إلى وضع يلعب فيه سيتي في الدرجة الثانية يحتاج إلى خطوات مؤسسية إضافية.
وبالتالي فإن الهبوط يبقى احتمالًا عقابيًا نظريًا ضمن النقاش، وليس نتيجة قائمة أو قرارًا صدر بالفعل.
في حال صدور عقوبات كبيرة، قد تتأثر المنافسة على المراكز الأوروبية والجوائز المالية، كما يمكن أن تتغير بعض المراكز إذا تضمنت القرارات آثارًا بأثر رجعي.
لكن لا يمكن افتراض حصول الأندية الأخرى على ألقاب أو تعويضات، لأن ذلك يعتمد على قرارات منفصلة.
وتتجاوز أهمية القضية مانشستر سيتي نفسه، إذ يمكن أن تفتح نتيجتها نقاشًا أوسع حول فعالية منظومة الحوكمة المالية في الدوري الإنجليزي الممتاز، خصوصًا بعد سنوات التحقيق والإجراءات التي سبقت الحكم.
توضح مقارنة مانشستر سيتي بيوفنتوس أن هناك فارقًا أساسيًا بين الناديين: يوفنتوس هبط بالفعل إلى الدرجة الثانية وعوقب وسُحبت منه ألقاب، بينما مانشستر سيتي لم تصدر بحقه حتى 25 سبتمبر 2026 إدانة نهائية في القضية الحالية.
وفي الوقت نفسه، تكشف تجربة يوفنتوس أن تأثير العقوبات الكبرى لا يتوقف عند نتيجة المباريات أو ترتيب الدوري، بل يمكن أن يمتد إلى الإيرادات والرعاية وقيمة العلامة التجارية وسوق الانتقالات والقدرة التنافسية لسنوات.
أما مانشستر سيتي، فيدخل أي أزمة محتملة بقاعدة مالية وتجارية أكبر بكثير من تلك التي امتلكها يوفنتوس بعد هبوطه، وهو ما يجعل تكرار تجربة كالتشيوبولي بصورة حرفية أمرًا غير محسوم.
وتبقى النقطة الأكثر ثباتًا في القضية حتى 25 سبتمبر 2026 أن الحكم النهائي لم يصدر بعد، ولذلك فإن أي حديث عن عقوبة محددة أو هبوط أو سحب ألقاب يظل سابقًا لأوانه.




