بدأ المشوار من لندن إلى الدار البيضاء، في رحلة تستغرق نحو ثلاث ساعات ونصف، قبل مواصلة الطريق بالسيارة جنوباً لمسافة تقارب 90 كيلومتراً باتجاه مدينة الجديدة، التي عُرفت تاريخياً باسم «مازاغان»، وعلى امتداد الطريق الساحلي، بدأت ملامح المشهد تتبدل من صخب العاصمة الاقتصادية للمغرب ونظافتها اللافتة ومساكنها الجديدة، إلى مدينة هادئة تحتفظ بآثار خمسة قرون من التاريخ، حيث لا تزال الأسوار البرتغالية القديمة تطل على المحيط الأطلسي، بينما تعكس المشروعات السياحية الحديثة جانباً من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.
تصميم معماري مغربي تقليدي في كل مكان (الشرق الأوسط)
وتقدم مازاغان نموذجاً لوجهة تجمع بين التاريخ والتراث من جهة، والاستثمار السياحي من جهة أخرى، مما يجعلها محطة تستحق التوقف لمن يرغب في استكشاف جانب مختلف من المغرب.
تزامنت رحلتنا مع موجة الحر التي اجتاحت أجزاء واسعة من أوروبا، ودفعت درجات الحرارة في عدد من المدن إلى مستويات قياسية. غير أن الوصول إلى الساحل الأطلسي المغربي كشف عن مشهد مناخي مختلف؛ ففي مازاغان بدت الأجواء أكثر اعتدالاً بفضل نسائم المحيط الأطلسي، التي خففت من حرارة الصيف ومنحت المدينة طقساً مريحاً مقارنة بما شهدته لندن ومدن أوروبية أخرى خلال الفترة نفسها.
شاطئ رملي ومياه زرقاء صافية (الشرق الأوسط)
من قلعة برتغالية إلى مدينة مغربية
فعلى الساحل الأطلسي للمغرب، وعلى بعد نحو 90 كيلومتراً جنوب الدار البيضاء، تقع مدينة مازاغان، أو الجديدة باسمها الحالي، باعتبارها واحدة من المدن التي تختزل مراحل متعددة من تاريخ المغرب. فمن مدينة محصنة شيدها البرتغاليون في القرن السادس عشر، إلى وجهة سياحية تستقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها، تعكس الجديدة كيف استطاعت الحفاظ على إرثها التاريخي، بالتوازي مع التحولات الاقتصادية والسياحية التي يشهدها المغرب.
تبدأ قصة المدينة عام 1514 مع إنشاء البرتغاليين لقلعة مازاغان، التي تحولت لاحقاً إلى مركز عسكري وتجاري على الساحل الأطلسي. وبعد أكثر من قرنين، استعادت الدولة المغربية المدينة عام 1769، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها، انعكست على عمرانها وهويتها الثقافية.
تتميز مازاغان بمناخه المعتدل على مدار السنة (الشرق الأوسط)
ولا تزال المدينة البرتغالية تمثل أبرز معالم الجديدة، بما تضمه من أسوار دفاعية وأبراج وأبواب تاريخية، إلى جانب الصهريج البرتغالي الذي اكتسب شهرة عالمية بعد ظهوره في عدد من الأعمال السينمائية. وقد أدرجت المدينة القديمة على قائمة التراث العالمي لـ«يونيسكو» بوصفها نموذجاً مميزاً للعمارة العسكرية البرتغالية خارج أوروبا، وشاهداً على التفاعل التاريخي بين الثقافتين المغربية والأوروبية.
وخارج الأسوار، تبدو الجديدة مدينة ساحلية حديثة يعتمد جزء من اقتصادها على السياحة إلى جانب الزراعة والصناعة والخدمات. ويقصدها الزوار للاستمتاع بالشواطئ المطلة على المحيط الأطلسي، وزيارة الأسواق التقليدية، وتذوق المأكولات البحرية التي تشتهر بها المنطقة.
تصميمات جميلة ومدينة تجمع التراث والحداثة (الشرق الأوسط)
ومن أبرز المشروعات التي أسهمت في تعزيز النشاط السياحي بالمنطقة منتجع مازاغان بيتش آند غولف، الذي افتتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2009 باستثمار بلغ 370 مليون دولار، ضمن برنامج «المخطط الأزرق» الهادف إلى تطوير السياحة في المغرب. ويمتد المنتجع على مساحة تقارب 250 هكتاراً بمحاذاة شاطئ الحوزية، ويضم أكثر من عشرة مطاعم، ومنتجعاً صحياً، وملعب غولف من 18 حفرة صممه لاعب الغولف العالمي غاري بلاير، إلى جانب مزرعة مفتوحة تستقبل الزوار من مختلف الأعمار، وتضم عدداً من الحيوانات، وقسماً مخصصاً لزراعة الخضراوات التي يستخدمها طهاة المنتجع في إعداد بعض أطباقهم، فضلاً عن مساحة مهيأة للأطفال للعب وقضاء الوقت في أحضان الطبيعة.
الحمام المغربي تجربة لا بد منها (الشرق الأوسط)
نوصي بقراءة: جارك في الطائرة… «ورقة يانصيب» لايمكنك التنبؤ بها
وبفضل تنوع المرافق فيه، يختار بعض الزوار قضاء إقامتهم بالكامل داخل المنتجع، الذي يوفر خيارات متعددة للاسترخاء والترفيه. وتشمل هذه الخيارات تجربة الحمام المغربي التقليدي، وجلسات التدليك التي يقدمها مختصون، والسباحة في المسبح الرئيسي، أو التنزه وسط الحدائق الواسعة التي تتوزع في مختلف أرجائه.
ويبرز الطراز المغربي بوضوح في التصميم المعماري للمنتجع، الذي يستقبل زواره بمدخل مستوحى من «الرياض» التقليدي. ويحضر الزليج المغربي بوصفه أحد أبرز عناصر الهوية المعمارية، حيث يزين الجدران والأرضيات والنوافير والأقواس، في امتداد لحرفة يدوية تعود إلى قرون. ويعتمد هذا الفن على قطع خزفية صغيرة تُرص يدوياً لتشكيل زخارف هندسية متناسقة تعكس دقة الصنعة المغربية وجماليات الفن الإسلامي. ولم يعد استخدام الزليج مقتصراً على المباني التاريخية، بل أصبح عنصراً أساسياً في العديد من المشروعات الفندقية والسياحية الحديثة التي تستلهم الطراز المغربي وتدمجه مع التصاميم المعاصرة، بما يمنحها طابعاً يجمع بين الأصالة والحداثة.
مطاعم تقدم المأكولات المغربية في قالب من العصرية (الشرق الأوسط)
هناك أنشطة عديدة مخصصة للعائلات، من بينها نادٍ للأطفال وبرامج ترفيهية تناسب مختلف الأعمار. وعلى امتداد الشاطئ الرملي، تتاح للزوار ممارسة عدد من الأنشطة، مثل قيادة مركبات الدفع الرباعي الخفيفة (ATV) أو«سكوود بايك»، وركوب الخيل بمحاذاة مياه المحيط، ويعد وقت الغروب من أفضل الأوقات لخوض هذه التجربة.
ويضم المنتجع نحو 15 مطعماً ومقهى تقدم تجارب طهي متنوعة، بدءاً من المأكولات المغربية التقليدية في مطعم «بشرى باي بودا بار» الذي يمزج المطبخين المغربي واللبناني تحت إشراف الشيف جو برزا، مروراً بالمأكولات البحرية في «سيل دو مير» والمطبخ الفرنسي في «لا كاف» الذي ينقلك إلى أجواء مطاعم فرنسا الصغيرة، ووصولاً إلى الأطباق الآسيوية واليابانية في «بودا بار بيتش». بالإضافة إلى «استوديو 42» المستوحى من الاستوديوهات التي تم تصوير أشهر مشاهد فيلم «كازابلانكا» العالمي.
مسجد الملك حسن الثاني في الدار البيضاء (غيتي)
الدار البيضاء وأزمور… محطتان قريبتان
ولا تقتصر زيارة الجديدة أو مازاغان وحدها، إذ يختار كثير من الزوار الجمع بينها وبين الدار البيضاء في رحلة واحدة. فالعاصمة الاقتصادية للمغرب، التي تبعد نحو ساعة بالسيارة، تضم عدداً من أبرز المعالم السياحية، في مقدمتها مسجد الحسن الثاني المطل على المحيط الأطلسي، والمدينة القديمة بأسواقها التقليدية، وحي الحبوس الذي يعد من أشهر وجهات التسوق لاقتناء المنتجات المغربية التقليدية.
وإذا كنت من محبي المقاهي التقليدية فلا بد أن تقوم بتجربة مقهى «لا سكالا» التاريخي المطل على الأسوار القديمة في المدينة، وكورنيش عين الذياب الذي يحتضن المطاعم والمقاهي المطلة على البحر، ينقسم هذا المكان إلى قسمين الأول مخصص لتناول الشاي والقهوة والحلويات المغربية والقسم الآخر مخصص للأكل في جلسات خارجية جميلة، ويقدم المأكولات التقليدية ويكون ختامها حلوى مغربية ملؤها السكر واللوز، فلا تفوت على نفسك تذوق كعب الغزال اللذيذ.
الأثار البرتغالية في مازاغان التي تعرف اليوم بالجديدة (غيتي)
أما بالنسبة لمدينة أزمور التاريخية فهي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الجديدة، وتتميز بأزقتها القديمة وجدارياتها الفنية المطلة على نهر أم الربيع، مما يجعلها محطة إضافية للمهتمين بالتراث والثقافة المحلية.
وتشهد المنطقة على مدار العام فعاليات ثقافية ورياضية، وأنشطة مرتبطة بالصيد البحري والحرف التقليدية، في مشهد يعكس تنوع مقوماتها الاقتصادية والسياحية.
تجربة تتجاوز الشاطئ
وبالعودة إلى مازاغان فهي تقدم اليوم نموذجاً لمدينة استطاعت الجمع بين المحافظة على إرثها التاريخي والانفتاح على الاستثمار السياحي الحديث، لتغدو إحدى أبرز الوجهات على الساحل الأطلسي المغربي، حيث يتجاور التاريخ والتنمية في مشهد يعكس التحولات التي تشهدها المدن الساحلية في المملكة.




