تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقّع ممثلو شرق البلاد وغربها، الأسبوع المقبل، الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وسط رهانات على أن تمثّل الخطوة انفراجة في الأزمة السياسية، التي عطّلت الاستحقاقات الانتخابية، في بلد يعاني انقساماً مؤسسياً وعسكرياً، وغابت فيه الانتخابات العامة منذ أكثر من 12 عاماً.
رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
ويُنظر إلى التفاهمات المرتقبة، باعتبارها «محاولة لكسر الجمود الذي حال دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ انهيار خطة تنظيمها في ديسمبر (كانون الأول) 2021»؛ إلا أن استمرار التكتم على بنودها يثير مخاوف لدى قوى سياسية من طبيعة التسوية المنتظرة، واحتمال إقصاء الأحزاب من المعادلة الانتخابية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إعلان تفاصيل الاتفاق قبل اعتماده رسمياً.
وقال مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط» إن «كل النقاط العالقة منذ سنوات بشأن قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تم الاتفاق عليها»، مرجحاً أن يتم التوقيع الرسمي على التفاهمات. وتشير هذه التأكيدات إلى تجاوز أبرز الخلافات التي عطّلت الانتخابات، التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، وفي مقدمتها شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، لا سيما ما يتعلق بترشح العسكريين وحاملي الجنسية المزدوجة.
وكان ممثل حكومة «الوحدة» في «4+4»، عبد الجليل الشاوش، قد أعلن أن اللجنة التي من المقرر أن توقع الاتفاق، الثلاثاء المقبل، تمكّنت من معالجة «جميع العوائق» التي تضمّنتها القوانين الانتخابية السابقة، وتوصلت إلى حلول للنقاط الخلافية كافّة، لافتاً إلى أن ذلك يمهد لـ«مرحلة جديدة من الاستقرار»، وأنه «لم يعد هناك مجال لتأجيل أو عرقلة إجراء الانتخابات»، كما أكد في تصريحات لوسائل إعلام محلية.
وبشأن إعادة تشكيل «مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات»، قال المصدر المقرب من اللجنة ذاته إن «ترشيح رئيس مجلس المفوضية من قبل النائب العام، الصديق الصور لم يصل حتى الآن، ونتوقع وصوله خلال هذا الأسبوع ليكتمل تشكيل المجلس بالكامل».
الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)
وكانت بعثة الأمم المتحدة قد أعلنت، أواخر أبريل (نيسان) الماضي، توصل «4+4» في اجتماعها بروما إلى اتفاق لإعادة تشكيل «مجلس المفوضية»، يتضمن ترشيح النائب العام أحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لرئاستها، إلى جانب 6 أعضاء ممثلين لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة».
تصفح أيضًا: النائب شعبان رأفت: بيان 3 يوليو كان لحظة إنقاذ تاريخية وانحيازًا لإرادة ملايين المصريين
ورغم اقتراب موعد التوقيع، ما تزال تفاصيل التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال خمس جولات من الاجتماعات في تونس وروما بعيدة عن الأضواء؛ إذ اتفق أعضاء اللجنة، حسب عضوين تحدثا سابقاً إلى «الشرق الأوسط»، على إبقاء مضمونها سرياً إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والتوقيع الرسمي.
وأثار هذا التكتم انتقادات داخل الأوساط السياسية، كما دفع مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى عقد اجتماع مشترك بعد فترة طويلة من الانقطاع، في محاولة للتوافق على منصب رئيس المفوضية، في خطوة عدّها مراقبون استباقاً للتفاهمات المنتظر توقيعها.
غير أن التخوف الأكبر بدا واضحاً في موقف «التجمع الوطني للأحزاب الليبية»، وهو تحالف حزبي عدّ «أي تسوية سياسية يجب أن تقوم على المشاركة الوطنية والتعددية السياسية»، محذراً في بيان الأسبوع الماضي من «تجاوز الأحزاب في رسم مستقبل العملية السياسية»، ورافضاً «أي ترتيبات تحرمها من حقها في الترشح أو المشاركة في المجلس التشريعي أو السلطة التنفيذية».
الموقف السابق عدّه القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، «تجسيداً لقلق حزبي من العودة إلى القانون الصادر عام 2014، الذي أُجريت على أساسه انتخابات مجلس النواب، الذي أقر النظام الفردي في الانتخابات، بما يعني استبعاد الأحزاب السياسية مستقبلاً من المعادلة الانتخابية».
قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)
وإذ أقر فنيش بمحدودية وجود فعلي ومؤثر للأحزاب السياسية في الشارع الليبي، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «إقصاءها يعني الموت النهائي للعمل الحزبي في ليبيا، وهو العمود الفقري لأي ممارسة سياسية حديثة»، متسائلاً: «كيف يُطلب منا الوجود في الشارع، في حين يتم تجاهل حقنا في الترشح والمشاركة؟».
وأشار فنيش إلى أن «من بين المخاوف أيضاً تجاهل مطلب عدد كبير من الأحزاب بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، فضلاً عن استمرار الغموض والخلاف بشأن آلية الطعون الانتخابية، وإمكانية عرض التعديلات في قانون الانتخابات على مجلسي النواب والأعلى للدولة».
وسبق أن انتقد عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، استمرار سرية أعمال اللجنة، معتبراً في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» أنه «من غير الطبيعي أن تكون أعمال اللجنة سرية»، داعياً إلى نشر مضمون التفاهمات قبل إحالتها إلى مجلس النواب، حتى يتمكّن أعضاؤه من مناقشتها وإقرارها، أو تعديلها بما يحقق توافقاً سياسياً أوسع ويزيد فرص تنفيذها.
يُشار إلى أن لجنة «4+4» تضم ممثلين عن «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة «الوحدة» في غربها، إضافة إلى عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة.




